|
تاريخ القرصنة عند الشراكسة
تتلخص أهمية تناول موضوع عادات القرصنة عند الأديغه أبخاز في كون دراستها تعرض لنا الأساس السلالي للأديغه أبخاز وتماثل ثقافاتهم الاجتماعية.
يشمل علم تدوين التاريخ المتعلق بهذا الموضوع كل الأعمال التي يُولي فيها المؤلفون أهمية فائقة للقرصنة الشركسية (الأديغية), كما تتناول الملاحة البحرية بشكل شامل وتأخذ بعين الاعتبار حقيقة أن الشواطئ الشركسية كانت تقطنها القبائل الأبخازية وهذه النقطة تفسر القرصنة الشركسية في القرن التاسع عشر على أنها اقتباس في العادات, وبنظرتنا لهذا الموضوع المعقد نقول أن الأديغه والأبخاز قد ارتبطوا ارتباطاً وثيقا بالبحر على مدى وجودهم ولذلك فإنه من غير الدقيق والصحيح دراسة موضوع قرصنة كل منهما بشكل منفصل.
هذا النوع من القرصنة المرتبط بالتضاريس الطبيعية وأنماط الحياة الاجتماعية المتواجدة حينها كان موضوع أطروحة نالبي حاتشماف (المعهد الأديغي الحكومي للعلوم الإنسانية) يقول فيها: " إن التتار هم السكان الأصليون للقرم, وكانوا يمارسون القرصنة البحرية وهناك الكثير من المؤلفين يشيرون إلى قرابة نسبهم مع الأبخاز أديغه رغم أن التتار الذين لم يكونوا أقل ميلاً للغزوات من الأديغه أبخاز لم يكتسبوا فن الملاحة البحرية كالشراكسة رغم وجودهم مايقارب 500 سنة في المنطقة".
كتب فلاديمير كاريلوف الخبير في مجال الثقافة البحرية القزقية حول هذا الموضوع: "يتعارض التاريخ البحري للقزق بشدة مع البحرية التتارية المشهورة. هناك فرضية تقول بإن منشأ القزاقيين كان نتيجة أن التتار لم يمارسوا الملاحة البحرية وحسب الروايات الشرقية التي تتوافق مع وجهة النظر البحرية تبرز الفرضية "الشركسية", فقط استوطن الشراكسة "الأديغه" في القرن السادس عشر الميلادي على شواطئ بحر آزوف بما فيها دلتا الدون ومن ثم ابتعدوا إلى شبه جزيرة تامان, وبعدها إلى الجبال. وحسب المصادر التي تذكر أحداث القرن الماضي كانت هناك معلومات كثيرة حول أعمال الشراكسة في البحر والتي تشبه المعلومات القزقية بشكل كبير. لقد استمر النشاط البحري للأديغه حتى الحرب الروسية الشركسية في القرن التاسع عشر ويعرف الجميع حوادث هجوم القوارب الشركسية على سفن الأسطول الروسي في البحر الأسود, وعلينا أن نؤكد هنا بأن شكل زوارق التجديف الأديغيه الخارجي يذكرنا بقوارب المكشاط القزقية, ولكن لحتى تاريخه لم يقم أحد بالمقارنة بينها بشكل تفصيلي. ولذلك من الصعب القول ان كان هنالك تشابه وراثي بينها.
أولاً: إن دراسة القرصنة الأديغه أبخازية تأخذنا بعيداً خارج الحدود التاريخية للأديغه أبخاز, وإن المقارنة التصنيفية والتكنولوجية للملاحة البحرية الشركسية والقزقية تؤكد فعلا الرأي الذي يتكرر كثيرا والقائل حول الأصل الشركسي الجمهوريات القزقية الأولى حوض دنيبر الأوسط.
ثانياً: سنهتم في سياق حديثنا ضمن عملنا الحالي حول القرصنة الأديغه أبخازية بتعاقب الحضارات والقوميات في القفقاس الغربي منذ الحضارتين اليونانيه والرومانية القديمتين وحتى العصر الحديث.
تخبرنا الحضارات القومية والمراحل القديمة لتاريخ المنطقة المحيطة بالبحر الأسود أنه كان لابدمن ظهورمستوىً معيناً من تطور الملاحة البحرية لدى الأديغه أبخاز منذ العصور اليونانية والرومانية القديمة, أي منذ بدايات ظهور الكتابة في أراضي القفقاس الغربي.
يعطي سترابون في كتابه "الجغرافيا" وصفاً موسعاً عن القرصنة في القفقاس الغربي مؤكداً على أنه لا مجال للشك في قدمها ومداها الواسع وحذاقتها التكنولوجية. يقول سترابون: "بعد منطقة السيند وكوركيبا تأتي شواطئ الاَخيين والزيخ والغينوخ وهي مناطق لاتحوي الكثير من المرافئ والجبال, حيث أنها تعد قسما من القفقاس, وكانت هذه الشعوب تعيش من وراء القرصنة البحرية ولهذا كانوا يمتلكون قوارب صغيرة وضيقة وخفيفة الحركة تتسع لحوالي 25 شخصا ونادراً ماكانت تتسع ل 30 شخصا, وكان اليونانيون يسمونها "كامار". كانوا يجهزون أسطولاً صغيراً مؤلفاً من مجموعة من القوارب ويهاجمون المراكب التجارية وأحيانا يغيرون على بلدات أو مدن وبهذه الطريقة تمكنوا من السيطرة على البحر. وكان سكان البوسبور يساعدونهم أحيانا ويؤمنون لهم مراسي لمراكبهم أو تأمين سوق لتصريف غنائمهم, وعندما كانوا يعودون إلى أوطانهم الأصلية كانوا يضطرون أحياناً لحمل الكامارات على ظهورهم ونقلها إلى الغابة حيث يعيشون في أماكن بسيطة وذلك عندما لاتتوفر مراسي لقواربهم. عندما يحين موعد الابحار كانوا ينقلون قواربهم مجدداً إلى الشاطئ وهذا بالضبط ماكانوا يقومون به في البلدان الغربية, حيث كانوا يعرفون أماكن ومكامن الغابات فيها بشكل جيد ويخبؤون كاماراتهم في الغابة بينما يتسعكون نهاراً وليلاً ويخطفون الأشخاص لبيعهم كرقيق, وبعد عودتهم إلى البحر يعلنون لأقارب المختطفين استعدادهم لإطلاق الرهائن مقابل الفدية. في الأماكن التي كانت تخضع للسلطات المحلية, كانت الأخيرة تقدم العون للرهائن, حيث كانت تهاجم في أحيان كثيرة القراصنة وتحتل كاماراتهم وتسيطر عليها مع حمولاتها. أما المناطق التي كانت خاضعة للرومان فقد كانت عاجزة أمام مثل هذه الهجمات بسبب تهاون القادة المتواجدين في تلك المناطق.
هناك مجموعة من النقاط الهامة في كتاب سترابون تؤكدها مصادر مختلفة أخرى منها سيطرة جبليي غرب القفقاس على البحر. هذه السيطرة لم تحصل نتيجة سرقة المراكب التجارية والتي تعد أمرا تافها نسبيا وإنما عن طريق تنظيم حملات قرصنة على نطاق واسع تستهدف مدناً ودولاً, وعدم قدرة الأغريق والرومان على تدمير الأسطول القرصني الصغير لجبليي القفقاس الغربي. ولم يكن أمراء البوسبور "باتيكابيا" في وضع يسمح لهم بالتغلب على جيرانهم.
يكتب موليف من بلغراد وهو أحدث باحث في تاريخ البوسبور: " لقد احتفظت قبائل الأخي والزيخ والغينوج والكركيت باستقلالها طوال فترة حكم السبارتاكيين. لقد كان نشاطهم القرصني يعيق بشدة إقامة العلاقات الاقتصادية بين البوسبور ودول البحر الأسود والأبيض المتوسط. وتشهد ملاحظة سترابون حول تأمين أهالي البوسبور مراسي لمراكب هؤلاء القبائل وأسواق تصريف الغنائم على عدم إمكانية "بيريساد" آخر ملوك البوسبور محاربة هذه القبائل في البحر. وكانت محصلة العلاقات المتبادلة بين البوسبور وقبائل القفقاس الغربي هي عدم استطاعتهم الاستقلال عن هذه القبائل".
إن القرائن التي تقول بأن جبليي القفقاس الغربي كانوا في وضع يخولهم بالانتصار في المعارك البحرية على أساطيل الدول المتمركزة تجبرنا على الاعتراف بالمستوى الاجتماعي والاقتصادي الرفيع لهذه المجتمعات التي تطل على البحر وبامتلاكها ترسانة بحرية وحجم كبير من المعرفة وتكتيك في المعارك الحربية باستخدام أعداد كبيرة من السفن. ويؤكد كورنيلي تاسيد معاصر سترابون في كتابه الثالث من بحثه "التاريخ" على الرأي القائل بعدم إمكانية الرومان ضبط قرصنة قبائل غرب القفقاس حيث يقول: "هب عبد بربري للحرب بشكل مفاجئ في بونتي, ولم يترأس يوما الأسطول الملكي. إنه بوليمون أنيكيت كانت له سابقا سلطة كبيرة في هذا البلد وعندما أنشأ الاقليم الرماني انتظر انقلابا بفارغ الصبر. ترأس قوة كبيرة واندفع إلى طرابزون ودحر الكتيبة القائمة فيها. أحرق أنيكيت القوارب الرومانية بإلقائه المشاعل الحارقة عليها وأصبح المسيطر على البحر الأسود بلا منازع. وبنى البرابرة سفنهم بسرعة مدهشة وأخذوا يجوبون البحر بدون رادع أوعقاب. وكانت هذه المراكب تسمى "كامار". وكانت سفنهم متجاورة. كان هيكل السفينة عريضاً في القاع, ولم يكن البرابرة يستخدمون الشدادات المعدنية لبناء مراكبهم, وعندما يكون البحر هائجاً كانوا يضعون ألواح الخشب فوق السفن بما يشبه الغطاء, وتكون القوارب التي تتم حمايتها بهذه الطريقة خفيفة الحركة, ويتم التجديف فيها بمختلف الاتجاهات. وتكون بدايات ونهايات هذه المراكب حادة وضيقة ولذلك كان من الممكن أن ترسوا على الشاطئ بأمان تام ومن الجهتين".
لم يتمكن الرومان من قمع انتفاضة القفقاسيين القوية إلا عن طريق رشوة الأمير سيدوخيز في كولخيديا والذي كان رئيسا لأنيكيت. (أنيكيت وسيدوخيز أسماء أديغه أبخازية ولها كثير من المرادفات في بيان الأسماء التي جاءت لاحقا).
يحتوي تقرير تاتسيتا على نقاط مميزة جداً:
العبد ذو الأصل غرب قفقاسي يقوم بتطوير سريع للأسطول – وهذا مانراه غالبا في القرون اللاحقة – وفي سرعة بناء الأسطول والغارات على طرابزون, وكذلك الغزوات التقليدية لجبليي الأديغه أبخاز والعلاقة من أرستقراطي السهول "الخيالة", حيث كان القراصنة يحتاجون للخيالة كما كان الخيالة بدورهم يحتاجون لتغطية المعارك من البحر. بالإضافة الى سترابون تاتسيتا فقد كتب ديونيس بيريغيت وفلافي أريان وغيرهما من المؤلفين حول قرصنة جبلي غرب القفقاس. نوه المؤرخ البيزنطي أغافي (القرن السادس الميلادي) بتطور الملاحة البحرية لدى الكولخيين, وتؤكد الأبحاث الأثرية معلومات المؤلفين القدماء.
عثر د. س. بجانيا على شكل من أشكال السيراميك لقارب بحري ذو متن مرتفع بمقدمة على شكل أسفين بارزة للأمام على شكل رأس كلب أو ذئب. تم العثور على هذا المكتشف الثمين في البلدة التي كانت موجودة في العصر البرونزي عند مضيق نهر توميش وكانت آلهة الكلاب عند الأبخاز "أليش كنتر" تعد حامية القراصنة في العصور اللاحقة, ويعد الجبل الذي يحمل نفس اسم الآلهة مكاناً مقدسا للقراصنة. وكان رأس الكلب صفة مميزة للقراصنة الأديغه ابخاز حتى القرن التاسع عشر, ويدعم النموذج السيراميكي في العصر البرونزي علاقة الباسكيين القدماء مع سكان غرب القفقاس..
يبين الخبير المهمتم بقضايا تاريخ أبخازيا في العصور البدائية والوسطى فرونوف العلاقة بين المدافن الحجرية الثمينة في القرن الرابع على أراضي شانيغي "سوتشي الحالية" وعادات القرصنة البحرية. فحسب فرونوف كان السانغيون قادرون على القيام بالغزوات البحرية.
إن فكرة الغزوات البحرية على الروم في منطقة البحر الأبيض المتوسط كانت قد وصلت إلى الغوتيين عن طريق مقاتلي قبائل بحر آزوف ولذلك يمكننا القول إن القرصنة عند قبائل الأديغه أبخاز كانت موجودة.
في القرون الوسطى تابع الأديغه أبخاز السيطرة على القطاع الشمالي الشرقي للبحر الأسود وبقي تقليد القرصنة موجوداً لدى كل المجتمعات الواقعة على البحرو بالإضافة إلى القرصنة فقد شهدت التجارة البحرية تطوراً محدوداً. يتحدث المسعودي في منتصف القرن العاشر عن التجارة البحرية عند الكاسوغ الذين كانوا يصلون على مراكبهم إلى طرابزون, وحسب المؤرخ نالبي حاجماف فإن الكاسوغ "كما الفايكينغ في القرن العشر" كانوا يحرقون زعماءهم المتوفين على المراكب, ومن الضروري التنوية هنا على أنه كانت هنالك قاعدة عمليات قرصنة ضخمة لكيفسكايا روس في بلاد الزيخ في شبه جزيرة تامان مما يعني بشكل آلي بأن جبليي القفقاس الغربي كانوا من ضمن تشكلية أسطول القرصنة التابع لكييفسكايا روس. فقد كانوا ينهبون الشواطئ البيزنطية معاً ويخرجون إلى البحر الأبيض المتوسط وينهبون شواطئ الأندلس وكاتالونيا. ومن المعروف أن كيفسكايا روس القدماء والذين يعتبرهم فرناندسكي مزيجاً من الغوت والسرمات والآلانيين كانوا مرتبطين بالجنوب منذ بداية تاريخهم أي بالقوقاز والقرم وأوكرانيا.
يشير المؤرخ مار إلى المصادر الأرمنية في القرن العاشر التي تصنف كيفسكايا روس قرب الأبخاز وتصور أمراء الأبخاز والروس بلباس موحد.
كانت لغارات قراصنة كيفسكايا روس مواصفات غرب قفقاسية, حيث كانوا يخرجون من التامان إلى أقصى الدون "قرب حدود الفولغا" ثم يعبرون إلى نهر الفولغا وعبره إلى بحر البلطيق. كما كانوا ينهبون أمراء المسلمين على أراضي أذربيجان الحالية. وعلى الأرجح فإن الزيخ قد ظهروا في هذه الفترة على شبه جزيرة أبشرونسك. ولأبشرونسك اشتقاقات كثيرة في اللغتين الأبخازية والأديغية. كان خط السير هذا اعتيادياً لقراصنة غرب القفقاس ولكنه كان صعباً جداً ومجهولاً بالنسبة للفايكينغ.
في القرن السادس عشر عرض الشركسي قاسم باشا وهو من أصول أديغيه من قبيلة الجانه (كان تعيش قبيلة الجانه في أقصى غرب شيركيسيا ومناطق من القرم) على السلطان سليمان لوصل الدون بالفولغا عبر قناة مائية.
هناك كثير من الصفات المشتركة بين تسليح كيفسكايا روس في القرن العاشر ونظام التسليح الشركسي, وكثير من المؤلفين الروس والشراكسة قد كتبوا حول هذا الموضوع. كما كان هناك تشابهاً في تسريحة الشعر, كما كانت النساء الروسيات يرتدين المشد كالنسوة الشركسيات, إضافة إلى تشابه نمط العمارة لدى الأديغه والروسيين. وكذلك تطابق أسلوب الدفن لدى الشعبين. وأيضا يوجد التشابه في قضية تقديس الأحصنة. وطبق كييفسكايا روس نظام التبني كما كان يفعل الأديغه أبخاز.
كان كييفسكيي روس القرم و خورتيست يقدسون الشجر وهذا مقتبس من الأديغه أبخاز حسب قول فرناندسكي. إن كل التطابقات المذكورة أعلااه بين الأديغه أبخاز والكيفسكين الروس القدماء تملك أسساً قوية ولن نخوض هنا في هذه التفاصيل وسنكتفي بالقول إنه لايمكن بحث القرصنة الروسية في القرن العاشر الميلادي بمعزل عن الأديغه أبخاز خاصة وأن البيزنطيين أطلقوا على القطاع الشمال شرقي من البحر الأسود تسمية بحر الروس.
يقول نالبي حاجماف إنه في الصور الوسطى المتأخرة وبدايات العصور الحديثة تدور أكثر التقارير حول قرصنة الأديغه والأبخاز: "مابين القرنين 13 – 17 سيطر الأديغه أبخاز بقوة مع أهالي جنوى والبندقية والعثمانيين على الملاحة البحرية في العالم, وكانوا يملكون أساطيل قوية فالعثمانيون مثلا وصلوا إلى أندونيسيا وأيسلنده ونهبوا الغال الأسبان, ودمروا ريكيافيك وبريموت في النصف الأول من القرن السابع عشر. إن سمعة الطليان في مجال الملاحة البحرية لاتحتاج إلى أي تعليق حيث اكتشاف القارة الأمريكية في المرتين حصل بفضل الطليان. وضمن هذه الشهرة تبرز غارات قراصنة شمال غرب القوقاز بشكل غير متوقع. كانت مدينة قافا الجنوية في منطقة القرم عام 1475 الموقع الرئيسي لكل المحطات التجارية الجنوية في حوض البحر الأسود والبحر المتوسط, هذه المدينة كانت تتعرض لضغوط قراصنة القفقاس الشمالي الغربي, ولم يكن الوضع في بشيزا منطقة االكوبان السفلي أكثر هدوءا حيث كان الضمان الوحيد للعبور الحر في تلك المنطقة يؤمن عن طريق أمراء سهول الزيخ فقط. في عام 1471 عندما لم يعد أمير كوبا (سلافيانسك الحالية على نهر الكوبان) يعير اهتماماً وبشكل متعمد لحماية المراكب القامة من قافا كثرت حينها الغارات على المدن واضطرت حكومة قافا لاتخاذ أقصى التدابير حيث منعت كل أفراد المجتمع الجنوي من التواصل مع سكان كوبا. أرسل قنصل ماساري في 18 أيار 1471 رسالة إلى بنك سان جورجيو في جنوة مضمونها: "فيما يتعلق بالأضرار والمخاطر التي تهدد تجارنا وسكاننا في كباريو من قبل الزيخ سنوياً فقد قمنا هذا العام بمنع دخول أي شخص إلى أراضي الزيخ حنى نتمكن من إقامة معاهدات مع الزيخ".
كانت القرصنة البحرية في معظمها تخضع لممثلي المجتمعات الحرة والتي تسمى الزيخ البيض. هذه المجموعة كانت تخترق المعاهدات الكثيرة التي وقعها قناصلة قافا مع أمراء الأديغه, حيث كان النشاط الأكبر لقراصنة الزيخ يجري في المضائق التي كانت تعد مناطق استراتيجية في غاية الأهمية بالنسبة لقافا. كان الزيخ يقطعون الطرق أمام أهالي قافا المتوجهين إلى كوبا أو باتير, وكانوا يطلبون فدية كل مرة تصل إلى خمسين ألف أسبر. أدى عدم إمكانية قافا على معاقبة القراصنة الذين كانوا مرتبطين مع أمراء سهول الزيخ إلى شل التجارة بشكل شبه كامل. هناك حادثة واحدة فقط معروفة استطاعت فيها حكومة قافا من استعادة المسروقات من القراصنة.
ورد في تقرير لقنصل البندقية في بلاد الفرس فينتشين سودي أليساندرو في 25 تموز 1572 مايلي: "وصل الشراكسة إلى مدينة قونيا على متن 24 قارباً وأحرقوا وهدموا كل القرى الساحلية على امتداد 300 ميل, وقتلوا الكثير من المواطنين وأسروا النساء ونهبوا كل الممتلكات. تم تجهيز الفرق المحاربة من طرابزون من أجل حماية هذه المنطقة بأمر من السلطان سليم الثاني وكان يمنع عليها مغادرة الميناء, حيث كانوا يخشون من مضاعفة الشراكسة لأعداد قواربهم", ويضيف أليساندرو: "أمروني بالذهاب إلى شيركيسيا ولكنني عدت أدراجي خوفاً من أولئك القراصنة".
نستطيع القول بأنه في القرن الرابع عشر-القرن السادس عشر, كانت زيخيا (تشيركيسيا ) تضم كل أو القسم الأكبر من الوبيخ – سادزو – الأبازين. تقول مصادر القرون (10 – 16 ) أن زيخيا كانت تحتل الشواطىء حتى حدود غاغرا الحاليه, ونقول حول هذا الموضوع بأن المصادر التي تحدد تصوراتنا عن هذه العهود حول القرصنه الزيخيه- الشركسيه لاتشمل الأديغه وحدهم بل الأبازين أيضاً. في القرن 19 تضم الحدود السياسيه لتشيركيسيا منطقه أدلر – غاغرا مجدداً وهذا ماتشهد عليه مذكرات الرحاله وكذلك المعاهدات العثمانيه الروسيه.
ان حصن الروح القدس السيء الصيت الذي شيده السفراء الروس عام 1810 في غاغرا وذلك عندما وافق حكام أبخازيا بانضمام أمراءهم الى الامبراطوريه الروسيه قد عيَن الحدود الشماليه لحكم سيرفاشيدزه جاجبا. ولاحقاً في عام 1829 أصبح الشاطىء الشركسي من مضيق الكوبان حتر حصن الروح القدس تابعاً للامبراطوريه الروسيه حسب معاهده ادريانوبولس.
كان الوبيخ والسادزيين تابعين لتشيركيسيا وكانوا يعتبرون أنفسهم شراكسه وبهذا الصدد كانت القرصنه الشركسيه في القرون 18 – 19 هي اجمالي نشاطات السادزيين والوبيخ والشابسوغ والناتوخاي. والاستثناء هنا هو في القرن 17 والذي يُعتبر ذروه القرصنه الأبخازيه وازدهار الملكيه الاقطاعيه, وفي هذا القرن دمر الابخاز مينغريليا ودمروا أسطوله, وتصل مجموعات الأبسوا شمالاً الى طوابسه وجنوباً الى وادي ريونا.
يتم ذكر القرصنه الأبخازيه بشكل كبير(وليست الشركسيه ) في الوثائق العثمانيه التي تعود للقرن 17, وهنا أيضاً نرى نصيباً وافراً للوبيخ والسادزيين والأبازين البحريين وحول سيادتهم البحريه الأبخازيه في القرن ال 17.
ان الزيخ (الشراكسه ) وهم يشكلون المجتمع الأديغي الأبازيني في جوهر الأمر كان يُنظر اليهم من قبل أهل جنوى ومن قِبل الكليان بشكل عام كقبائل ملوكيه وكاناس شجعان وماكرين بنفس الوقت, كتب يوسافات باربارو وهو من أهل البندقيه حول الزيخ المحاربين والماكرين وكذلك نرى أن صفه ( الماكرين ) كانت مرافقه للزيخ وذلك في الرسائل المتبادله بين قافا وجنوى عام 1473 وكان قانون قافا يتضمن ضروره تمتين جدران مدينه " تاني" من جهة تشيركيسيا, واستحق أؤلئك التتار الذين تجاسروا على القيام بغارات على الشراكسه لقب "الشجعان المجانين" والذي أطلقه عليهم المراقبون الطليان. كان التتار يجوبون تشيركيسيا بمجموعات عند الضروره فقط ويسافرون من القرم الى أستراخان "أي يلفون حول تشيركيسيا كي لايدخلوها" وقد لقَب اينتريانو الشراكسه في مصر بأنهم "أعظم الحكام في العالم"
تتكلم أحداث عام 1462 عن العلاقات المتبادله بين جنوى والزيخ ويُطلق الامبراطور الأخير لطرابزون برسالته الى الدوق بيرغوندي فيليب ( 22 نيسان 1459 ) على الزيخ والأبازه اسم الحلفاء في تحضيره للحروب الصليبيه ضد العثمانيين.كانت أبخازيا في هذه الفتره ضمن المملكه المينغريليه تحت الحكم الوراثي لاَل داديانوف وكان أهل جنوى والبندقيه يكنون مشاعر الاحتقار المكبوته للمينغريليين. وقبل الخوض بتحليل القرصنه الأبازه- شركسيه في العهد العثماني نعود مرة أخرى الى القرن 15 والتي كانت فترة سياده مطلقه للشراكسه ليس على القفقاس فقط بل على سلطه المماليك في سوريا ومصر.
يركز مؤلفو "دليل القاموس القوزاقي " (المجلد الثالث, سان – أنسليمو 1979) على موضوع البحريه عند تحليلهم أمر اعتلاء الشراكسه الحكم في مصر في القرون 14 – 15 وينوهون على نقطه هامه وهي أن السلاطين المصريين لم يعينوا الشراكسه في جيشهم بسبب شهرتهم الواسعه في مجال الخياله فقط بل لكونهم ذو خبرة كبيره في المجال البحري, ويركز مؤلفو الموسوعه القوزاقيه على هذه النقطه ويؤكدون على أهميتها البالغه في اتجاه البحث العلمي.
يقنعنا تاريخ الشراكسه المصريين بأن غزواتهم وقرصنتهم البحريه جعلت منهم مجتمعاً منافساً جداً للتتار والمغول والأتراك ( الكيبجاك ) والألانيين والأكراد وغيرهم من القبائل المملوكيه. وخلافاً عن الأتراك فقد كان الشراكسه يملكون تمويلاً ذاتياً من وطنهم أكثر بكثير من الأتراك ولم يتمكن أحد من خصومهم حتى تيمورلنك من ايقاف تدفق المرتزقه والعبيد من تشيركيسيا الى القاهره, كان الشراكسه يجيئون على متن قواربهم ولم يكن نظام التجنيد عندهم بحاجه الى وسطاء حيث كان أفراد بشادا ودجوبغا وطوابسه وسوتشي الذين شاركوا في الهجوم على القرم وجورجيا وطرابزون يتوجهون بجاهزيه تامه الى الاسكندريه مسلحين وبخبرة حربيه للمشاركه في جيش مملكه أقاربهم.
وحسب نالبي حاجماخوف فان نداء البحر قد ولَد روح القرصنه في مجتمعات الأديغه والوبيخ ودجيكيت والذي حدد بدوره ميل الشراكسه الى الترحال البحري في الكثير من الأمور. وتأمنت حريه العبور من البوسفور وداردانيل من طريق العلاقات والمعاهدات مع البيزنطيين, وكانت الدوله الوحيده التي كان بامكانها اعاقه البحريه الشركسيه على طول الخط من طوابسه الى الاسكندريه هي الحكومات البحريه الايطاليه ولكن جنوى والبندقيه لم تكونا مستقلتان اقتصادياً عن القاهره.
كان الطليان على الدوام وسطاء تجاريين للارستقراطيين الشراكسه سواء في مصر أو تشيركيسيا, وخلال فتره سياده السلاله الشركسيه كان لديهم اسطول قوي.
في السنوات العشر التي مضت كان المماليك – الكلاويند يتطلعون بعجز لمشاركه اللوزينانيين القبارصه ويُرهبون الشواطىء اللبنانيه, وفي عام 1369 نهبوا الاسكندريه, وبوصول الجبليين الشراكسه الى السلطه في القاهره بزعامه بارقوق أصبحت مصر قويه في المعارك البحريه, ونقول بشكل رمزي بأن مصر تُدين للقراصنه الشراكسه (بشأن موضوع ظهور بارقوق لديها ) الذين خطفوا الشاب بارقوق بموافقه بيرتراندون دي ميجنانيلي من أحد شواطىء قرى الزيخ, وقَع بارقوق ( وصي العرش اللاحق ) معاهده مع سلطه قافا عام 1379من أجل وصول الامدادات لجيش المماليك وذلك عندما كان الحكم بيد الشاب حجي. وفي عام 1410 اجتاح الشراكسه المماليك تحت قياده فاراج وهو ابن بارقوق الموانىء الجنوبيه للقاهره وفاماغوست وليماسول, وفي عام 1424 وتحت حكم بارسباي يكرر الشراكسه غزواتهم القرصنيه على الجزر, كانت أولى غاراتهم مفاجئه نوعاً ما ولكن الغارات التي تلتها كانت متوقعه, غير أن فرانكي القبارصه والذين يمتلكون اسطولاً قوياً بالاضافه الى مؤازرات الأساطيل الصغيره للمالطيين وكورسيكا وصقيليه لم يكونوا يجرؤون على لقاء المماليك في البحر.
كان من الممكن منع احتلال الجزر الذي وقع عام 1426 من قبل الأدميرال الشركسي اينال لو واجه الفرانكيين الشراكسه في البحر.
من الواضح بأننا لانعرف سوى اليسير جداً عن قوه القراصنه الشراكسه والذي كان أعتى قراصنه البحر يقوم بتجنبهم مثل القبارصه وقراصنه جنوى والبندقيه. ولم يلتق الشراكسه ولا مره مع فرسان ايوان المقدس والذي تم انشاؤه في نهايه القرن 13. كان الشراكسه يخطفون المسلمين سواء في منطقه رودوس الصخريه أو في البحر وعلى الشواطىء السوريه والفلسطينيه والمصريه, واجتاح المماليك الشراكسه مدينه رودوس مرتين خلال فتره حكم السلطان جاكماك.
كما نرى فان عادات قرصنه القفقاس الغربي والتي وصلت الى المنطقه الشرقيه للبحر الأبيض المتوسط كانت قادره على مقاومه خصوم المماليك في البحر, وكما يقول حاجماخوف فان القراصنه الشراكسه والذين احتفظوا بالقدره القتاليه في بلادهم على مدى قرون , لكنهم في مصر وفي ظل الحكم القاسي لأقاربهم فقدوا وبسرعه ذلك التوهج الذي كان يميز الغزوات القفقاسيه وتلك المجازفه التي كانوا يتصفون بها في البحر الأسود, عدا عن ذلك فبعد الحرب الأولى مع المماليك العثمانيين بدؤوا يعانون الصعوبات في تأمين منظومه الغابات التي كانوا يعتمدون عليها في حروبهم.
العثمانيون الذين كانوا يسيطرون على المضائق البحريه منذ عام 1453 منعوا اتصال الشراكسه مع الدول المستعمِره في القفقاس الغربي وذلك منذ عام 1485 وحتى عام 1517, ونيجه لذلك كانت القدره العسكريه البحريه للمماليك الشراكسه مهدده في القرنين 15 و 16 وبنفس الوقت فقد نشطت القرصنه الأوربيه تحت قياده فرسان رودوس , وفي عام 1509 هاجم فرسان رودوس الميناء المملوكي ات – تين في سوئتسي, ورداً على ذلك أرسل السلطان قانصوه الغوري اسطولاً بقياده ابن عمه محمد باي. كتب ابن اياس في تشرين الثاني 1509 "حسب المعلومات الوارده من الاسكندريه فقد اصطدمت سفن محمد باي التي أبحرت باتجاه خليج اَياسا بالقراصنه الأوربيين الذين كانوا يتربصون بمراكب المسلمين, وحاربهم محمد باي وأوقع بهم الكثير من الخسائر ةأحضر معه الى الاسكندريه القراصنه السالمين مع الكثير من الغنائم والتي قُدر ثمنها بمائه ألف دينار وهذا ماأسعد السلطان"
ولكن في 21 اَب من عام 1510 تعرض اسطول محمد باي لهزيمه ساحقه في خليج اَياس (اسكندرون) فقد احتل فرسان رودوس 18 سفينه مملوكيه وقُتل أدميرال المماليك في المعارك.
في عام 1498 ينضم البرتغاليون لخصوم المماليك بشكل مفاجىء.
في 20 أيار عام 1498 يرسي أسطول فاسكو دي غاما مراسيه ف كالكوتا وهذا يعني بدايه عصر جديد في علاقات أوروبا مع العالم الاسلامي. لم يكن فاسكودي غاما (ذو الأصل الباسكي) ومناصريه أوائل الفاتحين فقط بل كانوا صليبيين وأطلقوا النار على المراكب التجاريه المصريه خلال غزوتهم على ميناء كشديسك. لجأ فاسكو الى استخدام التعذيب والمشانق ضد المسلمين, لقد كان البرتغاليون يقطعون أنوف النساء, أنوف الرجال وأياديهم اليمنى.
في عام 1500 ظهر الأسطول البرتغالي الثاني تحت قياده الأدميرال كابرالا الذي أمر بحرق عشره مراكب تجاريه مصريه كانت تقف في ميناء كالكوتا.
في أعوام 1502 – 1507 دمر فاسكودي غاما ودألبوكيركي ةغيرهم من الأدميرالات المعروفين موانىء المسلمين العربيه والهنديه والشرق أفريقيه.
في عام 1507 دخل برتغاليو "الفرانك" للمره الأولى البحر الأحمر مما يعني تهديداً واضحاً للمدن الاسلاميه المقدسه – مكه والمدينه المنوره - . جهَز االسلطان الشركسي ماقبل الأخير قانصوه الغوري (1501 – 1516 ) أسطولاً للمماليك في البحر الأحمر, وفي عام 1508 دخل هذا الأسطول بقياده الأمير حسن مشرف بحر العرب وحطم الأسطول البرتغالي التابع للورانس د ألميدي قرب ديَو, وناصر المماليك في هذه المعركه حاكم ديَو مالك أياز وهو مملوك من أصل روسي وتابع لسلطان القاهره, ولكن بعد عام تقريباً في 3 شباط 1509 تم تدمير الاسطول الشركسي بشكل كامل تقريباً عند ديَو وسيطر الفرانكيين على بحر العرب والخليج الفارسي.
فب عام 1509 احتلوا ميناء كالحات في عمان ودمروا القرى الشاطئيه في دوفاري, وفي عام 1515 أصبح الأمير أورموزا موالياً لملك البرتغال, ولكن الصليبيين تعرضوا لاخفاقات كبيره في البحر الأحمر, ففي عام 1513 صد الشراكسه هجماتهم على عدن وسواقين ولم تكن لدى البرتغاليون القوه الكافيه للقيام بالهجمات الحاسمه للسيطره على الشراكسه, وعدا عن ذلك فقد أعاد قانصوه الغوري تجهيز الأسطول في البحر الاحمر عام 1515 ودعا الأدميرال العثماني سيلمين ذو الخبره الواسعه لقيلده الأسطول وهو من أصل يوناني أو قفقاسي.
برز الكثيرون من الشراكسه والأباظه في الأسطول العثماني وترقوا بنجاح وأصبحوا قاده وأدميرالات. في القرن 15 – 16 سيطر اليونانيون على الأسطول العثماني وخصوصاً أؤلئك القادمون مكن جزر بحر ايجه, في القرن ال 17 انتقلت السيطره للشراكسه والاباظه وهم بحاره وقراصنه ذو خبره واسعه.
في عام 1704 كان الشركسي عثمان باشا هو القبطان باشا ( أي الاَمر الرئيسي للأسطول ) وكان نفوذه كبيراً جداً حتى في الأمور الحكوميه, اعتلى المناصب الوزاريه وكان قائداً للجيش على مدى 40 عاماً. كما اعتلى مناصره الأقرب الشركسي محمد باشا مركز النائب في القدس وحلب وشارك في الكثير من العمليات الحربيه وترأس الجيش في حربه ضد النمسا ونال لقب (باشا الثلاثي) وهو أرفع رتبه عسكريه في الامبراطوريه. وفي نفس الفتره كان الشركسي أحمد باشا من الشخصيات المعروفه. مابين أعوام 1712 – 1715 أصبح الشركسي سليمان باشا الوزير الأعظم وكان أباظه عثمان باشا وقتها مارشالاً في الامبراطوريه ( باشا ثلاثي) وعزا كانتيمير ترقيته السريعه الى الشجاعه الفطريه عند الأباظه.
هناك أدميرال شركسي مشهور كذلك هو حسان باشا جيزايرلي الذي احتل منصب قبطان باشا من عام 1775 ولغايه 1790 وترأس كذلك الجيوش البريه: قمع التمرد في لبنان وألبانيا وحارب بنجاح مع المماليك واستطاع احتلال القاهره وسيطر عليها منذ تشرين الأول عام 1786 ولغايه تشرين الاول 1787 وبقي يحتل منصب قبطان باشا من الفتره الواقعه بين 1787 ولغايه وفاته عام 1790 كما احتل منصب الوزير الأكبر. الذي كان شركسي اَخر يحتله قبله وهو حسان باشا مييت.
وخلال فتره الحرب مع نابليون كان القبطان باشا شركسياً وهو الوبيخي كوجوك حسين باشا الذي حدَث الاسطول العثماني بمساعده المهندسين الفرنسيين. كان الشركسي حسين باشا متزوجاً من ابنه عم سليم الثالث والذي كانت والدته مهري شاه مولودة في الاديغيه, ساعد حسين باشا خوسرف باشا في ارتقاء المناصب وكان معروفاً عن خوسرف باشا أنه من الأبازيخ ومولود في الأديغيه وقد عينه حسين باشا نائباً له في مصر عام 1801 وأصبح في عام 1804 نائباً في الأناضول وفي عام 1812 أصبح قبطان باشا واحتل نفس المنصب مابين 1822 – 1827, ثم أصبح وزيراً حربياً مابين 1827 – 1836 ووزيراً أكبر مابين 1838 – 1840. بقي خوسرف باشا أكثر من 40 عاماً في السلطه وعزز العلاقات مع وطنه, عين كل المحيطين به من الشراكسه والأباظه والجورجيين, ويقول ادموند سبنسر مؤلف كتاب المذكرات في تشيركيسيا الواقع في مجلدين بأنه كان على معرفه شخصيه بخوسريف ويقول مثلاً بأن مشروبه المفضل كان (شو). كما كتب الجنرال مورافييف عن نفوذه قائلاً "كان يحمل لقب الاَمر الرئيسي في العاصمه وقائد الجيش وكذلك كان يتفوق في ديفان حتى أن السلطان ذاته كان يهابه"
يكتب روين أكربا (من سوخومي ) بأن القرن 17 كان الفتره التي شهدت أكثر نشاط للقرصنه الأبخازيه, حيث أقنعوا جاجبا بضروره بناء الأسطول وجذب جبلي الأبخاز الغربي اليه مع مراكبهم وذلك منذ منتصف القرن 16.
في منتصف القرن 16 يعترف سكان داديان بسلطه العثمانيين ويحصلون على دعم حربي من أجل عملياتهم في أبخازيا, وفي ثلاثينيات القرن 16 يُهزمون بحربهم ضد الأبخاز والسادزام ولكنهم يعاودون الحرب, ولكن في عام 1558 يستسلم ليفان دادياني ويتنازل عن كل الأراضي التي احتلها سابقاً في شمال انغورا.
بقي الأبخاز في عام 1569 كخصوم وحيدين للامبراطوريه العثمانيه في ماوراء القفقاس وذلك بعدما احتل العثمانيون كوتايس عاصمه الامبراطوريه وأخذوا جيشهم الى مينغريلي. وقام الأبخاز في الأعوام 60 – 70 من القرن 16 بالكثير من الهجمات على مدن الأناضول وذلك بعدما حصلوا على تأييد ودعم السازديين والوبيخ.
عام 1571 استلم سليم الثاني الحكم وأعلن حصار الشاطىء الأبخازي وأمر ب :
1-ايجاد أماكن انتشار القراصنه الابخاز وشن هجمات قاسيه عليهم.
2- منع كل أشكال التعامل التجاري مع الأبخاز.
في كانون الثاني من عام 1574 لجأ دادياني وغوريي الى طلب مساعده العثمانيين الذن أرسلوا الخبراء الى مينغيريليا وغوريا وكذلك مواد بناء الاسطول. وفي عام 1579 وضع العثمانيون أسطولاً صغيراً في بوتي وكانت مهمته التجول على شواطىء مينغريليا. واضافه الى ذلك فقد زود العثمانيون الغوريين والمينغريليين بالمدافع.
وكان نهر ريوني هو الفاصل الحدودي بين الامبراطوريه العثمانيه وأبخازيا وبنفس الوقت كان النهر هو الحدود التاريخيه بين أبخازيا ومينغريليا.
عام 1582 شارك الأبازين والشراكسه في الحرب التي وقعت بين المنغريليين والغوريين وكانوا يساندون غيورغي الثالث دادياني.
عام 1583 احتل حاكم غوري ماميا وتابعه في مينغريليا دادياني ماميا (المتزوج من شقيقه الحاكم الغوري)كل أوديشا وذلك بعد وفاه غيورغي دادياني, ومن ثم توجهوا الى دجيكيتيا بمسير بحري, أغار عليهم الدجيكي ودمروهم, هلك دادياني وغورييلي مع الكثير من جنودهم, كما قُتل ابن غورييلي غيورغي ونبلاؤه, جردوا دادياني من كل ملابسه وذبحوه مع غورييلي وثلاثه من أخوته وأساقفته واسروا جنوده, توجه الكاثوليكي مالاكيا الى هناك وأنقذ الأحياء واسترد جثث الأموات بفديه نقديه. في عام 1578 ينجو دابي بنفسه من غارات القراصنه الأبخاز.
أرسلت الحكومه العثمانيه التي بدأت الحرب مع ايران الأبخازي حيدر باشا الى سوخومي, وكان هذا الوجيه(الوجيه- صاحب مقام كبير في روسيا قبل الثوره) من نسب غيجبا السادزي ووصل بمرافقه عدد من الضباط العثمانيين وكانوا جميعاً من أصل أبخازي. كان لحيدر باشا منصب نائب أبخازيا وحسب مايكتبه أغربا فقد استقيل جاجبا مع كل الشخصيات الأبخازيه المعروفه حيدر باشا بحفاوه وتم وفع الحصار العثماني وتجنبت أبخازيا حتميه حرب حقيقيه مع الامبراطوريه العثمانيه على البر حيث كان يتواجد بنفس الفتره جيش عظيم في جورجيا بقياده لالا مصطفى باشا.
استمرت النيابه السوخوميه قرابه عامين وتُشير الوثائق العثمانيه بأنها قد أُلغيت في أيلول عام 1580, وظهر بأنها كانت ضروريه للعثمانيين خلال حربهم ضد ايران فقط, ولم تكن أبخازيا تدفع الضريبه ولابشكلها الرمزي للسلطان, بالعكس فقد حصل الأبازي حيدر باشا على مبلغ كبير من المال من قنسطنطينوبولي من أجل توزيعه على" الفقراء الأباظه" كي لايمارسوا القرصنه البحريه.
عام 1590 يظهر الأبخازي حيدر باشا كمحرر غيانجي من الفرس.
يذكر جيليبي الذي زار كل عشائر الأباظه تقريباً أنه في الأربعينيات والستينات من القرن 17 استقر كثير من القادمين من أبخازيا في منطقه تونجاني في اسطنبول ومارسوا التجاره والحِرف وخدم الكثير منهم في الأسطول.
كان الاباظه يرسلون أطفالهم الى أبخازيا لتنشئتهم هناك ومن ثم يعودون الى اسطنبول وغالباً ماكانوا يتبوؤن مناصب عليا.
في المنطقه التي كان يقطنها قبائل الكاميش (هم فرع من الوبيخ وفرع من البجدوغ الغربي يحمل تسميه كاميش )" كان هنالك أشخاص من الأباظه قدِموا من تونجاني ومن اسطنبول ومصر, كان عندهم الكثير من المساجد والكثير منهم مسلمين مع عوائلهم" وكانت الكثير من العشائر التي تعيش بعيداً عن الشواطىء تشارك في الأعمال البحريه "كان شراكسه تاكاكو (تاكاخو أو تخاوكاخو وهي عائله أديغيه معاصره) يأتون الى هنا (الى منطقه استيطان السادزيين) بدون خوف ويتاجرون على مراكبهم"
في ثلاثينيات القرن 17 تسارعت هجمات قوزاق زاباروجيه على الشواطىء التركيه وكانوا يُطلقون عليهم اسم "شراكسه", استفاد شراكسه أوكرانيا من وضع الاباظه والشراكسه فمن ضمن الحالات التي حصلت: كانت هناك غارات قرصنه مشتركه بين القوزاق والاباظه –شراكسه, كتب جان شاردين الذي زار مينغريليا في عام 1672:"كان عليَ أن أمتطي المركب ولكني عزفت عن ذلك بسبب المعلومات القائله بأن شخاتير الشراكسه والابخاز متواجده على شواطىء مينغريليا وكانت هذه المعلومه صحيحه فقد احتلوا الكثير من المراكب بما فيها ذلك المركب الذي كنت سأصعد عليه"
ونتيجه للحروب المتكرره مع مينغريليا توسعت الحدود في الستينات والسبعينات من القرن 17 ووصلت الى منطقه كودورا, أعد جاجبا أسطولاً جباراً وكان يضم مراكب الساذديين والوبيخ والبجدوغ والجانيين والشيغاكو وهاجموا أسطول داديانوف في منطقه بوتي ودمروا كل مراكب المينغريليين.وبعد هذا الهجوم الساحق لم يحاول المنغريليون مواجهة جاجبا في البحر أبداً.
في عام 1704 كتب نائب كوتايس للوزير الأكبر :"لقد التحق الأباظه من البحر بداديان المتواجد على البر", وفي عام 1705 تعززت المراكب باتحاد المراكب في باتومي ومجيء عشرة فراقط خاصه من طراز "اشكام – فوا"(فرقاط:نوع من السفن ويُسمى الطير البحري ).
اضطر السلطان سابا أربيلياني العائد عام 1714 من رحلة في أوروبا للانتظار في طرابزون بسبب مغادرة المراكب التركيه الميناء خوفاً من الفراصنه الابخاز وقال له أحد قاده المراكب "لاأستطيع المسير بقاربي الى غوريا, انني أخاف من غضب الأبخاز, وان أردتم فاعبروا بمركب صغير"
يبين أغربا الضليع بموضوع القرصنه الأبازيه بأن الوثائق العثمانيه تتحدث عن معارك ضاريه مع الابخاز في البحر جرت أعوام 1714 – 1716 ,وصمد الأباظه في هذه المعارك وحاصروا الحاميات العثمانيه في باتومي وغوني وأناكلي. ورداً على ذلك توجهت عشرة فرقاطات من البحر الابيض المتوسط وفي عام 1723 استرد العثمانيون مدينه سوخومي وباشروا ببناء حصن فيها وأغار الأبخاز عليهم بحراً وبراً أثناء بناء الحصن.
كان وضع الجيش العثماني في أبخازيا صعباً للغايه مما اضطر قادتهم للجوء الى طلب مساعده الاميرتيين والمينغريليين, ومن الطبيعي أن يستغل دادياني الصعوبات التي تعترض الأبخاز فاحتل الأراضي شرق اينغورا وصولاً الى كودورا.
في العشرينيات وحسب تصريح فاخوشتي (فاخوشتي باغراتيوني 1696 – 1757) فان ابن الملك فاختانغو مؤلف "تاريخ جورجيا" يكتب:وكالسابق فان الأبخاز أقوياء في البحر وهم يجوبون على مراكبهم
oletcandar
التي تتسع الى 100 – 200 وأحياناً 300 شخص, ويُغيرون بطريقهم على مراكب العثمانيين واللازوفيين وغالباً مايقومون بذلك قرب شواطىء أوديشا (مينغريليا) وغوري, الابخاز ضعفاء في المعارك البريه ويُهزمون بسرعه ولكنهم أقوياء جداً في البحر"
oletcandar
هو مصطلح يورده فاخوشتي دون أن يُدرك معناه, وهو ليس مصطلحاً جورجياً فهي كلمة أبخازيه, قام م.ف.بروسا بتدوين هذا المصطلح بالاحرف اللاتينيه وترجم عمل فاخوشتي الى اللغه الفرنسيه ونشره في سانت بطرسبورغ في عام 1842. كتب الأكاديمي يا. مار بأن"المصطلح الذي استخدمه فاخوشتي للتعبير عن المراكب الحربيه الأبخازيه هو ليس تعبيراً أبخازياً بل يدل طرازها على أنها كلمة منغريليه رغم أن المنغريليين لم يعودوا الى استخدامها ولم يحتفظوا بها, ان المصطلح يدل على كلمة صعبه حيث يدل قسمها الأول(أولي) على الأغلب على كلمه "خلال" أو "بالعرض" أما القسم الثاني"تكاندر" فتعني"مطروق – مشغول" وتعني الكلمه كلها"موثوق ب". يعتمد مار هنا بشكل استثنائي على علم الاشتقاق, ويعتبر كذلك بأن"تأثير اللغه الجورجيه كان ضعيفاً جداً على اللغة الأبخازيه في العهود المسيحيه القديمه, ويتضح التأثير بشكل خاص في اقتباس الكلمات ولكن هناك اقتباس معاكس من الأبخازيه الى الجورجيه وهي اقتباسات تعليميه للغايه,فمثلاً الكلمه الجورجيه أبرا (شراع) مقتبسه من اللغه الأبخازيه وهذا لايدل فقط على معان قاموسيه بل على معان ثقافيه تاريخيه, وينتج من هذا بأن الأبخاز كبحَاره قد نقلوا مصطلحاتهم البحريه الى جيرانهم, ورغم أن الحياه المعاصره الأبخازيه لاتتوافق مع هذه التأكيدات ولكن النطق الأبخازي والأساطير مليئة بذكريات علاقه الأبخاز الحميميه مع البحر.وفي الماضي الغير بعيد وتحديداً في القرن 17 استمر الابخاز باستخدام أمجادهم الخطره بالنسبه لجيرانهم وبالنسبه للمسافرين بشكل عام,ورغم أن ظروف الحياه القديمه تزول تدريجياً في المحيط الأبخازي ولكن من الطريف قراءه المثل الأبخازي القائل" غن أغنيه المركب الذي تمتطيه"
في منتصف القرن 18 انخفضت فعاليه الهجمات الابخازيه بشكل حاد ولم يعد السكان التابعين لجاجبا يمارسون الغارات, احتفظت المملكه الأبخازيه بأسطولها واستخدمته لمقاومه المنغريليين في الجنوب ولردع القراصنه الشراكسه.
وكان اَخر انجاز للحكومه الأبخازيه في المجال الحربي البحري مرتبطاً بنشاط كيلي شبي جاجبا (توفي عام 1808) حيث وضع نفسه لخدمه عادات وتقاليد قرصنه شعبه وتم جمع حوالي 600 قادس (مركب حربي) في منطقه سوخومي بناءاً على طلبه.وقد قدم السادزيون حوالي ثُلث هذا الاسطول, وكان الأسطول الابخازي يشكل هلعاً لكل الشاطىء الجورجي وحتى تخوم باتومي طوال فتره حكم كيليش بي جاجبا الذي وصل الى السلطه في بدايه ثمانينيات القرن 17.
يقول ايوغان بلارامبيرغ بأن باشا طرابزون قد نقل سلطة سوخومي الى كيلي شبي ومن الواضح أنه لم يقم بذلك دون علم السلطان سليم الثالث.
ويقول سيميون برونيفسكي الذي أولى في أعماله اهتماماً واسعاً للقرصنه الابخازيه أنه في عام 1802 قام كيليش بي جاجبا ببناء سفينة مجهزة ب 74 مدفعاً وأهداها لسليم الثالث, وفي عام 1810 انضمت أبخازيا الى الامبراطوريه الروسيه مما يعني نهاية عادات القرصنه على هذه الأراضي.
ان النشاط الحربي لجاجبا في البحر وشكله المنظم وكذلك بناء المراكب الضخمه بطواقمها التي تتسع ل 100 – 300 شخص(فاخوشتي) أوصلت الكثير من المراقبين بأن يعتبروا أن الشراكسه قد مارسوا القرصنه متأخراً وتحت تأثير الأبخاز.
يقول بلارامبيرغ"أن الوبيخ وجيبسو وغوسي والذين كانوا يقطنون وادي أنهر بيسفا وشياكي وزوازي والتي تصب في البحر الأسود قد تعلموا القرصنه من جيرانهم الأبخاز, انهم يسيرون بمراكبهم مسافة 20-30 فرست بعيداً عن الشاطىء وتتسع مراكبهم ل 40-100 شخص وأحياناً أكثر, وعند حدوث مصادمات بين السفن تكون الغلبة لهم "
كتب القنصل الفرنسي في تبليسي ب.غامبا عن الشراكسه( وشمل السادزيين والوبيخ معهم):"يعيش هذا الشعب على القرصنه والنهب كما في عهد سترابون"
وحتى بعد احتلال الروس في عام 1830 لعدة مراكز هامه على الشواطىء الشركسيه مثل أنابا وغيليندجيك ونوفوروسيسك (سوجوك قاله) واقامة حاميات لازاريفسك وفيليامينوفسك وغولوفين, تابع الشراكسه غاراتهم القرصنيه بهدف ايصال الامدادات الحربيه ةكسر الحصار.
كتب ادموند سبنسر الذي زار تشيركيسيا مراراً أعوام 1836-1838 وقدم لأول مرة الى بشادا بفضل خبرة وشجاعة الطاقم العثماني والذي كان معظم أفراده من مواطني غرب البحر الأبيض المتوسط: "لقد تحلى قبطاننا وطاقمنا بجرأه كبيره, لقد كان أغلب الناس من الخونه الفرنسيين, أشك بأنهم كانوا يمارسون القرصنه, ان القبطان ذاته الذي كان يؤكد أنه من أم اسبانيه وأب مغربي(لقد كانت الملاحه البحريه متطورة جداً في المغرب وفي نهاية القرن 17 تشكلت فيها الجمهوريه القرصنيه سالي –المؤلف), كان هذا القبطان يتكلم الايطاليه والاسبانيه بطلاقه, لقد شارك في الكثير من المعارك الداميه, فقد كل شيء عند احتلال الجزائر من قبل الفرنسيين وجُرح جرحاً بليغاً فقد شُوه وحهه وذلك خلال حصار فارنا, كان سيفه مُشهرا على الدوام براً وبحراً للدفاع عن السينورا العظيمه(أي السلطان) الذي كان مرتبطاً به بشكل وثيق,حملت أيامه الاولى في بشادا انطباعات ساطعه مع الأرستقراطي الانكليزي, هذه العلاقه التي توصل اليها عبر علاقاته مع القراصنه الشراكس (الرساله 15 بعنوان"الوصول الى بشادا, المراكب الشركسيه تُشبه كامارات سترابون)" بعدما أعطى قبطاننا الاشارة المعروفه بشكل جيد لدى الشراكسه, سمعنا طلقات بارود عديده من مختلف اتجاهات الغابه وتم انزال عدة مراكب محمله بالرجال الى الماء بسرعة كبيره وركبنا في سفينه تحمل رجالاً شجعاناً يغنون بشكل جماعي"كاري را" ومحملة بالبضائع, وبوقت قصير جداً وغير متوقع اختبأت المراكب بما فيها مركبنا عن الأعين تحت الاشجار الكثيره الفروع, نتج هذا الحذر بعد تدمير الروس لعدة مراكب صغيرة كانت تشكل قلقاً لهم.. كانت مراكب الشراكسه مسطحة القاع سهلة الصنع وضيقه, كان يُقاد كل منها ب 18 -24 مجداف وكانوا الأكثر خبرة في هذا المجال كونهم كانوا يقودون المراكب بسرعة كبيره, كانت هناك عدة أشكال لظهر السفينه الذي لم يكن بعيداً عن دفة القياده, كان يجلس على ظهر السفينه من 3 -4 أشخاص, كانت مقدمة السفينه مزينة بشكل هو على الأغلب رأس ايل أو ماعز أو خروف, على الأرجح أنه رأس خروف. كان الشراكسه يبنون أحياناً مراكب ضخمة تتسع ل 40-80 شخصاً وتتم قيادتها بالمجاديف والشراع.
أما عن نشاط الشراكسه في البحر خلال الحرب القفقاسيه فهنالك الكثير من المراجع التي تتحدث عن ذلك. تتضمن تقارير وثائق الأدميرال م.ب.لازرييف قائد أسطول البحر الأسود وقائد عمليات الانزال على شواطىء تشيركيسيا في الثلاثينيات من القرن 19 تقاريراً حول المعارك مع الشراكسه. ففي شباط 1838 يكتب الجنرال لازارييف لقائد أركان البحريه مينشيكوف عن معركة بحرية ضروس ضد أربعة أسراب شركسيه قرب حصن غاغرا, ويقول أحد ضباط الاسطول الروسي"كان الشراكسه يخرجون بمراكبهم ليلاً نهاراً ويهاجمون التجار للحصول على الغنائم, كانوا في البدايه يقتلون الاشخاص المتواجدين على ظهر السفينه بالبنادق ثم ينقضون بالخناجر ويُنهون الأمر بفترة قصيرة جداً"
ويكتب كارل كوخ الذي زار دجوبغا عام 1840 عن العمليات البحريه الناجحه للقبطان الناتوخاي حسن بي. ويذكر عالم الاَثار والرحاله السويسري فريدريك دوبوا دي مونبيرا الذي زار تشيركيسيا في ثلاثينيات القرن 19 بأن مرفأ ماماي في الشابسوغ هو واحد من أهم ملاجىء القراصنه.
ويؤكد كتاب تيبو دي ماريني الذي زار تشيركيسيا ثلاث مرات 1818-1822 رسمة الناتوخايين على شكل رأس الماعز حيث يقول "ان مراكبهم كانت مسطحة القاع, كان التصفيح مُثبتاً بهيكل رقيق جداً على القارب بمسامير وقطع خشبيه تعلو في مقدمتها تصوير لرأس حيواني وكان من الصعب تحديده,ولكن الشراكسه يؤكدون بأنه رأس ماعز أو خروف, مجاديفهم قصيرة جداً وتُثبت في بيت المجداف الطويل ولها عوارض عرضيه من أجل أيدي المُجدفين, كانوا يستخدمون عجلة القياده(الدفه) وشراعاً مربعاً صغيراً"
راقب ليونتي لوليه أسراب المراكب الشركسيه في نوفوروسيسك عام 1848 قائلاً " حدث أن رأيت بنفسي أسراب المراكب الشركسيه بمجاديفها قادمة من مختلف الشواطىء الى خليج سوجوك قاله ويُسمى حالياً نوفوروسيسك ولاحقاً أنابا"
في ثلاثينيات وأربعينيات القرن 19 خاض القراصنه الشراكسه بمراكبهم الضخمه التي تتسع لطاقم مؤلف من 100 شخص وأكثر معارك كثيرة مع سفن أسطول البحر الاسود.
في عام 1832 وكما هو موضح في وثائق الأرشيف المركزي الحكومي للأسطول الحربي البحري فقد هاجم الشراكسه مقطورة ذات 12 مدفعاً. وفي نفس الوثائق هناك قضية تحمل اسم"حول ارسال سفن حربيه صغيره الى الشواطىء الأبخازيه لقتال المراكب الشركسيه" مما يدل على انضمام القطاع الابخازي الى منطقة نشاط المراكب الحربيه الشركسيه.
في عام 1835 كتب البارون تورناو " وصل الجنرال ن.ميستو الى أبخازيا أواخر نيسان وقد اخترت الجنرال شخصياً من أجل حصن بزيبسكي الذي أرى أن مكان تواجده غير مجدي وقد أوكلت للجنرال مهمة البحث عن أماكن جديدة للحصن وقد وجد البقعة أخيراً بعد بحث في مختلف المناطق وكانت بالقرب من وادي بزيبا التي تبعد 4 فرست شمال بيزوندا, وبرَر اختياره بأن الشابسوغ والدجيكيت يستخدمون هذا المكان لمراكبهم ويقومون بشن الهجمات على أبخازيا من البحر وهو يأمل بايقاف هذه الهجمات ببنائه حصناً في هذا المكان, وكان هذا مشكوكاً به للغايه لأنه كان من عادة الشراكسه والأبازين الشاطئيين الذن يعيشون شمال أبخازيا أن يقوموا بالفعل بغاراتهم البحريه في قوارب ضيقة وطويله وخفيفة الحركة للغايه وتتسع ل 30-50 شخصاً, هذه القوارب التي نسميها نحن(سرداب أو نفق) كانت معروفة لدى اليونانيين البيزنطيين باسم (كامار), سرعتها مذهله وهي خفيفة الحركه لدرجة أن يحملها الناس على ظهورهم ويُخفونها في الغابة ثم يذهبون للنهب.
كان القراصنه البحريين الشراكسه يرسون قرب وادي بزيبا لأنها كانت منطقة مهجورة ولكن من الذي سيجبرهم أن يرسو فيها لو أقمنا عليها حصناً؟ هناك المئات من الأدغال حولها وتستطيع ايجاد أماكن للاختباء في أي مكان, هنالك الكثير من الأوكار على الشاطىء الأبخازي, لقد عارض باتسوفسكي(قومندان سوخومي) هذا الاقتراح حتى أنه لم يعرضه على الحاكم (ميخائيل"حميد بي"جاجبا-المؤلف) وظل ميستو ثابتاً على رأيه ولم تفارق مخيلته قوة الشراكسه البحريه أبداً"
وكانت المخاوف في محلها ففي أيار من عام 1834 ذهبت المراكب الشركسيه بأعداد كبيره وبشكل مفاجىء الى بومبورا التي أنشأ فيها الروس أسطولاً منذ فترة قريبه وأنزلوا فيها قواتهم بجرأة كبيرة وبعنف وقضوا على الفرق التي كانت خارج الحصن وغادروا دون أية مقاومه.
كانت الأعمال البحريه هامة بالنسبة للشراكسه طوال وجودهم, كان البحارة يكسرون الحصار الروسي ويأخذون البارود والأسلحة والملح حيث كان الملح يدخل ضمن قائمة المواد الاستراتيجيه لأن بلاد الشراكسه كانت وعلى مر العصور تحصل على الملح من القرم ثم من تركيا(بعدما أقام الروس حكومتهم في القرم)
في عام 1830 أسست روسيا الخط الشاطيء للبحر الأسود بهدف حصار تشيركيسيا ومنذ ذلك الوقت كان الشراكسه يعتمدون على الغارات البحريه والقرصنه وعلى المواهب الحربيه لبعض قاداتهم البحريين من أجل الحصول على مخزونهم الضروري.
في ثلاثينيات وخمسينيات القرن 19 كان يعيش في الموانىء الرئيسيه لأناضوليا-طرابزون وسينوني وسامسون حوالي 370 عائله شركسيه وكانوا يؤمنون لتشيركيسيا كل احتياجاتها رغم المخاطر الدائمه التي كانت تعترضهم.
في مذكرات تقرير بوتينيف الى الأدميرال لازارييف هناك احصاء للسكان الشابسوغ والناتوخاي والوبيخ والربان البحريين الذين تميزوا في المعارك ضد الروس : علي بويوك , أغفاي حجي, أغفاي طاهر, بوروق ابراهيم, داوت كيشيش, حجي بيسلانيه, كارما ادريس, خوروم مصطفى, نيغمو اينوخ, كيمكي عثمان, ايراميك اسماعيل, دز أصلانغير, خوتكو سليم, غوغين عمر.
كما رأينا فقد كانت المراكب الأبخاز أديغه بمجاديف وغالباً ماكانت تُسلح بالمدافع ولم يُنشى الأبازين والأديغه المراكب الضخمه بل تلك التي تتسع ل 100-150 شخصاً ولكن حكام الأمارة الأبخازيه هم من انشأ المراكب الضخمه في القرن 17 والتي كانت تتسع ل 300 قرصاناً, كان قراصنة أبخازيا وتشيركيسيا يقومون بجولات بحرية طويلة المدى ويصلون لغاية الاسكندريه.
خلال فترة الحرب مع روسيا كانت القواعد الحربيه الضخمه كما في نوفوروسيسك(سوجوك قاله) تُترك بدون ورديات في الخلجان فالشراكسه كانوا يحتلونها بسهوله ليلاً, في تشرين الثاني 1836 قامت سبع قوارب وبيخيه بالهجوم على قارب (أنارتسيس) ذو الصاريتين في منطقة سوتشي,وجاء في تقرير قائد السفينه ذات الصاريتين القبطان الملازم فارنيتسكو الموجه الى الأدميرال لازارييف" بأن الطاقم قد تعرض لخسائر فادحه واستطاع بالكاد التخلص من الأديغه ولولا ذلك لاحتل الشراكسه السفينه, لقد قاد القراصنة المعركة بشكل منظم والتزم الجميع بأوامر قبطانهم الذي كان متواجداً في مقدمة أحد المراكب وكان يُعطي توجيهاته من أحد الصواري الطويلة ويُعطي أوامره بوجهة هجوم كل سفينة"
منذ بداية المرحله الجبهيه للحرب القفقاسيه أي منذ عام 1830 قيَم القادة الروس قدرة الشراكسه الحربيه البحريه بشكل سليم وكانوا ينادون بضرورة تدمير واهلاك "أوكار القراصنة البحريين" بسرعه ولكن أدميرالات القيصره اقتنعوا سريعاً بعدم امكانية القضاء على المراكب الشركسيه باستخدامهم للمراكب الحربية الضخمة فقط ولذلك تم اتخاذ القرار بوضع المراكب القوزاقيه لمواجهة الشراكسه, كانت القوارب الكبيره(لنش) لقوزاقي بحر اَزوف ممتلئة بالمدافع وموزعة على طوابي(مراكز بحريه) الخط الشاطيء للبحر الاسود, وقرر قائد الخط الشاطيء رايفسكي "تستطيع القوارب الاَزوفيه ضمن المجالات القليله التي تفصل الحصن عن الاَخر أن تكون مفيدة جداً ضد القوارب الشركسيه ومراكب التهريب" ورغم ذلك فقد استطاع الشراكسه الاحتفاظ باسطولهم في الأربعينيات والخمسينيات من القرن 19 واستخدامها بشكل فعال جداً في المهام الحربيه. كانت البعثات والرحلات الشركسيه تصل حتى كونستانتين بوله بحراً, وفي عام 1860 كانت هنالك حوالي 800 مركباً شركسياً( يقرصن) مابين تشيركيسيا وتركيا.
المؤلف : سمير خوتقوة
الترجمة الى العربية: أحمد عزيز بيدانوق
|