logo      
 

هل يكفي أن نعلق مأساة شعبنا على مشجب القيصرية الروسية و الإمبراطورية العثمانية؟!


كان الشراكسة الذين هجرتهم القيصرية الروسية في أواسط القرن التاسع عشر، قد وطنتهم الإمبراطورية العثمانية في مواجهة ثورات البلقان في البداية، ثم عادت فهجرتهم منه بعد 12 عاما فقط من وصولهم إليه، عندما هزمت جيوشها فيه، لتجعلهم مجددا حراسا على طرق مواصلاتها الاستراتيجية، في المناطق التي خصصتها لهم، و الواقعة حاليا في سوريا و الأردن، ووزعتهم في قرى على طول طريق سكة حديد الحجاز، و كان ذلك في نهاية القرن التاسع عش و بداية القرن الماضي.

معظمنا قرأ، بفضل عشرات الكتب الصادرة بمختلف اللغات، عن مجريات حرب روسيا القيصرية لاحتلال القوقاز، و كيف اتسمت هذه الحرب بالقسوة و المظالم من جانب الجيوش الروسية الغازية. وقرأنا مقدار الشجاعة و البطولة و التضحيات الجسام التي بذلها أجدادنا دفاعا عن الوطن و الشعب و حريته، كما علمنا بالدور الذي لعبته السياسة القيصرية وقتها في جريمة تهجير و تشتيت الشعب الشركسي في أنحاء المعمورة لتحصل على القوقاز خاليا من سكانه الأصليين، ولتملأه بالمستوطنين الروس و القوزاق و غيرهم من متلف القوميات الغريبة على المنطقة.

كذلك قرأنا العديد من الآراء حول الدور الذي لعبته الإمبراطورية العثمانية التي كنا نعتقد أنها حليفتنا من منطلق ديني، و من منطلق أن (عدو عدوك - صديقك)، فرأينا مقدار تخاذلها عن مساعدتنا في كل المناسبات التي تكررت بشكل لافت للنظر، فكنا (كالمستجير من الرمضاء بالنار)، ثم رأينا مقدار تشجيعها لنا على الهجرة إليها لاستخدام أبنائنا جندا في حروبها، وفي سياسات التوازن السكاني الخبيثة التي كانت تتبعها بعد أن فقدت الأمل من احتلال بلادنا أ الانتصار على عدوتهم اللدود و التاريخية روسيا القيصرية.

من خلال هذه الكتب أصبحنا نعرف الدور السياسي الخبيث الذي لعبته بريطانيا بتشجيعها عبر عملائها الذين أرسلتهم إلى القوقاز على مواصلة القتال، لقاء وعود كاذبة بمدنا بالمعونات و السلاح.

و السؤال الذي يطرح نفسه:

لماذا تمكنت هذه الإمبراطوريات من خداعنا و التصرف بقدراتنا؟ و لماذا صدقنا كل ما قيل لنا، دون أن نتحقق من نوايا تلك الدول التي لم يكن يهمها من أمرنا إلا بمقدار ما نحقق له من مصالحها السياسية و الاقتصادية ؟

هل كنا نتعلق بالقشة التي قصمت ظهر البعير ..! أم أننا كنا لا نستوعب شيئا مما يجري حولنا.. ؟

ثم صرنا نعلم ما قام به النظام السوفيتي بعد سقوط القيصرية الروسية، و أنه لم يختلف في نتائجه على بلادنا و شعبنا، خاصة في عهد ستالين الذي دمر دولة شمال القوقاز، و حل بعد ذلك الجمهورية الجبلية التي كان قد أنشأها، و قام كذلك بتنفيذ إرهاب شامل بحق كل الشعوب القوقازية، و أصاب الشعب الشركسي تحديدا بمظالم لا حدود لقسوتها في ظل نظام حكم شمولي مطلق، ثم قام بإنشاء هياكل إدارية قبلية لنا، فقسم بلادنا و شعبنا إلى ثلاث جمهوريات قبلية و منطقتي حكم ذاتي، فرسخ بذلك أنظمتنا القبلية المتخلفة الموروثة، و لم يسمح لها بالتطور الطبيعي للوصول إلى توحيد الشعب الشركسي و توحيد أراضيه، فصرنا كمن قيل فيهم: (لا حي فيرجى، ولا ميت فينسى).

صار لدينا كل ما نريد من معلومات و باللغات المختلفة، و أصبحنا نستطيع تحقيق الحلم الذي كان يراودنا في إنشاء مكتبة صغيرة في منازلنا تحوي عشرات الكتب التي تساعدنا و تساعد أولادنا في الحصول على المعرفة التي لم تكن متوفرة لدينا للأجيال السابقة. هذا الخطاب نوجهه للذين مازالت قضية شعبنا تشغل حيزا في ذاكرتهم، و لم تمحها كثرة الجري وراء المصالح اليومية و الذين صاروا كمن (أدبر غريره و أقبل هريره).

وهنا سؤال آخر يطرح نفسه :

وماذا بعد؟!... ماذا بعد المعرفة ؟!... ما هي الفائدة منه ا؟!...

هل يجب أن نستمر في الحديث عن روسيا القيصرية و الإمبراطورية العثمانية و بريطانيا و نبقى نلومهم على ما فعلوه بشعبنا و مستقبله و مصيره، و نبقى نردد: (الحق أبل و الباطل لجلج) دون أن نفعل شيئا سوى الكلام و السلبية في مواقفنا، فنكون (أخسر من القابض على الماء).

ماذا يفيدنا الاستمرار في اللوم و الشكوى، و تعليق ما أصابنا على المشاجب، و التغاضي عن أخطائنا و تخلفنا السياسي و الاجتماعي الذي كنا و لا زلنا عليه، و الذي كان السبب الأهم فيما أصابنا من هزيمة و تهجير و تشتت في بقاع الأرض. لاشك أن هذه المعارف لم تعد تهم الكثيرين منا، وربما سببت الصداع للذين صارت اهتماماتهم لا تتجاوز عتبة باب الدار، الذين لم يعودوا يهتمون إلا بمصالحهم الشخصية الضيقة، و لا يهتمون إلا بجلودهم و عظامهم بحجة إنهم ناضلوا و فعلوا و لكنهم لم يوفقوا، و هم ليسوا على استعداد للاعتراف بأخطائهم، وبأنهم سلكوا دروبا لا تؤدي إلى النتائج المرجوة. هذه النماذج المنكفئة موجودة في كل زمان و مكان و عند كل الشعوب، و هي قد أقنعت أنفسها أن في انكفائها منتهى الحذاقة و الذكاء، منّ الله بها عليهم وحدهم دون غيرهم.

في كل ما نشر من كتب ودراسات تعرف بقضيتنا لم يتطرق أي منها لشرح أوضاعنا الثقافية و الاجتماعية و القبلية التي كنا عليها عندما احتلت روسيا بلادنا و التي لازلنا عليها أفرادا و جماعات، وربما كانت السبب الرئيس في هزيمتنا و تهجيرنا و دمار قبائلنا التي كانت تحارب وحدها في حين تنتظر القبائل الأخرى دورها و كأن الأمر لن يصل إليها، ودون أن تستوعب هول الكارثة التي تسير إليها، حتى في ظل الأخطار الجسيمة التي كانت تهدد وجودها، ومع ذلك لم تستطع الاتحاد في دولة أو شبه دولة ولم تستطع توحيد كلمنها أو بناء استراتيجية تواجه بها ما يراد لها من إفناء و طرد و تهجير، كل ذلك لأننا لم نكن قد بلغنا تلك الدرجة المطلوبة من التطور الاجتماعي و السياسي، نعمل على مبدأ (بيضة اليوم خير من دجاج الغد)، وكان طبيعيا أن تعمل روسيا التي وصلت إلى نظام الدولة و الإمبراطورية منذ خمسة قرون على الاستفادة من تخلفنا الاجتماعي و السياسي إلى أقصى الحدود أثناء غزوها لبلادنا.

هذا التخلف الاجتماعي و السياسي قديم فينا و ليس وليد اليوم، يقول المسعودي الذي عاش في القرن العاشر الميلادي في كتابه مروج الذهب الذي يصف فيه نظامنا السياسي و الاجتماعي ما معناه: (إن الألان يتحكمون بهم لتفرقهم و لو أنهم اتحدوا تحت قيادة واحدة لما استطاع أحدهم أن يفعل شيئا ضدهم)، إن ذلك كان فيما مضى، وتمت هزيمتنا و تهجيرنا و نحن مصرون على التمسك بالنمط القبلي و لا ندين بالولاء إلا للقبيلة و لا نعلم شيئا عن مفهوم الشعب و الدولة حتى الآن، و العالم قد اقتحم الألفية الثالثة، وبقينا قبليين في كل أفكارنا، وهي - كما هو معروف - أدنى مراتب التطور والنظام الاجتماعي و السياسي في هذا العصر . لماذا لا نسمع صوتا واحدا يدعو إلى وحدة بلاد الشركس وقبائلهم من نهر الترك

لماذا لا نسمع صوتا واحدا يدعو إلى وحدة بلاد الشركس وقبائلهم من نهر الترك و حتى سواحل البحر الأسود؟ ولماذا لا ننادي بإزالة آثار الحكم الستاليني التي لا تزال سائدة في بلادنا منذ ذلك الوقت و حتى اليوم؟ بالرغم من أن روسيا التي ندخل في قوامها السياسي غيرت ثوبها القيصري و السوفيتي إلى ثياب الديمقراطية كما نسمع، فما الذي يكمّ أفواهنا و أفواه أهلنا في أرض الوطن ؟

روسيا اليوم تبني دولة اتحادية جديدة وقوية يسودها القانون، ومن مصلحة روسيا و ما يزيدها قوة و استقرارا أن يدخل الشركس في هذا الاتحاد متحدين. ولماذا لا تتبنى الجمعية الشركسية العالمية أو جمهورياتنا هذا الموضوع و تطالب بتحقيقه؟ و أين هم مثقفونا و مفكرونا و علماؤنا الاجتماعيون و السياسيون؟ ومن المستفيد من التشرذم و الولاء القبلي ودول العشائر التي أقاموها لنا، ووافقنا عليها مرغمين و فرحين في آن معا ؟ إن أسوأ ما في الأمر أنه مازال هناك قسم كبير متحمس لهذا الدويلات و مدافع عنها، ومازالت حتى اليوم تمثل واقعا مريرا في بلادنا رغم التغييرات و التطورات التي حدثت في روسيا و لازالت تحدث كل يوم.

لى متى سنبقى متمسكين بالأبجديات التي وضعت لقبائلنا العديدة؟ ولماذا لا ننتقل إلى المرحلة الأرقى و هي توحيدها بأبجدية واحدة؟ فلا يوجد شعب في هذه المعمورة لم تكن عنده عشرات اللهجات ولكنه وحدها في لهجة واحدة و التي يمكن أن تتم في لغتنا ببساطة و بدون عناء، لأن الاختلاف في لهجاتنا لا يتعدى عدة أصوات و هي من أكثر اللهجات في العالم تقاربا، و يمكن أن تقرأ الأبجدية الموحدة كل لهجة بلهجتها دون أن يؤثر ذلك على أي شئ مما كتب سابقا أو لاحقا أو ضياع التراث الثقافي الذي كتب بها في العهد السوفيتي، و هي الحجة التي يتذرع بها من لا يريدون التطوير نحو الأفضل، و نبقى دائما (راضين من الغنيمة بالإياب). مع أن مثل هذا العمل البسيط سيكون عظيما ويرمز إلى وحدة الشعب، و التي ربما من أجل ذلك يبقى الكثيرون منا يصرون على الحفاظ عليها بشكلها الراهن ترسيخا لبقاء مكاسبهم و بقائنا على مستوى دويلات القبائل.

ثم في مراجعة سريعة لموضوع العودة و العائدين تبين أن أهلنا في الوطن و جمهورياتنا قاموا بما يتوجب عليهم، فاستصدروا القوانين و الإجراءات الإدارية لمن يود العودة، بحيث تمنح الإقامة المؤقتة لمدة 5 سنوات يحصل بعدها العائد على حقوق المواطنة بشكلها الطبيعي، ومع ذلك لم يعد إلى القوقاز إلا عدد محدود من أبناء المهجر لم يتجاوز 1000 شخص.

عندما نستمع إلى أحاديث الشراكسة في بلاد المهجر تجدهم لا يتحدثون إلا عن معاناتهم لضياع اللغة و العادات و التقاليد عند أولادهم و بناتهم، وأنهم سائرون إلى الانصهار في المجتمعات التي يعيشون فيها، ومع ذلك لا يقدم أحدهم على العودة إلى أرض الوطن الأم، و هم يريدون البقاء شراكسة في البلاد التي يعيشون فيها و تحقيق المعادلة الصعبة، و أقول لهم أنها مستحيلة الحل لأن شعبنا لا يملك أي من الصفات و المقومات لتحققيها، و نحن كما هو معروف من أسرع الشعوب اندماجا في المجتمعات الأخرى، و لم ندرك حتى الآن أننا نكاد (نتفرق أيدي سبأ)، فكيف يمكننا و الحال هذه تفسير الازدواجية في تفكيرنا و تصرفاتنا، و هل ضعف الانتماء في نفوسنا للمكان حتى صرنا لا نأبه بالمكان.

و السؤال المطروح هو:

ماذا فعلنا لتنظيم و مساعدة من يريدون العودة ؟ و هل قمنا بتشجيعهم على ذلك ليكونوا نواة حركة عودة الشراكسة و استيعابهم في وطنهم التاريخي ؟

لقد فكرنا بالعودة على أساس العودة الفردية، كما هي حالنا في كل أعمالنا، و على المبدأ و المنهج الذي اشتهرنا بإتباعه (كل نعجة معلقة من كراعيبها) تلبية لمصالح فردية و شخصية ضيقة، كما يفعل الكثيرون من الذين يذهبون للعمل في الدول النفطية وغيرها من أنحاء العالم، و اذا لن تتحقق طموحاتهم التي ذهبوا من أجلها عادوا سراعا خفاقا، فظهر لنا و كأن حركة العودة إلى الوطن قد فشلت و اختلط الأمر على الكثيرين منا و أصبنا بالإحباط في هذا الموضوع الهام الذي يباشر تنفيذه بالشكل الصحيح.

(وقبل أن يتسع الرتق على الراقع ) أرى أنه يجب على مفكرينا و الذين هم في مواقع المسؤولية و حتى لا نقول لهم (ويل الشجي من الخلي) التعاون لبحث مثل هذه المواضيع بجدية و فاعلية مبتعدين عن أسلوب (الضجيج بلا طحن) و الخطابات التي درجنا عليها، و كي نضع الخطوات العملية لإيجاد الحلول المناسبة بتضافر جميع الجهود، و حتى لا نذهب بين الصحوة و السكرة أسوة بكل شعوب الأرض التي أصيبت في فترة ما من تاريخها بمحنة و لكنها ناضلت و أوجدت الحلول لمشاكلها و انتصرت و حققت ما تصبوا إليه.

بقلم المرحوم الكاتب برزج سمكوغ.

Main Page

Print