|
النفوذ التركي في أبخازيا – واقع أم تكهنات؟؟
اعتراف روسيا أخيرا باستقلال أبخازيا عن جورجيا وضع أمام سوخوم مسؤوليات ومهام كثيرة ومعقدة، ولعل أهمها هو بناء أبخازيا لعلاقاتها الخارجية وتحديد توجهاتها وسياساتها وتحالفاتها في المجال الجيوسياسي المحيط .
لايوجد اليوم من المتابعين للشان الأبخازي من قد يشكك في تصريحات القيادة الأبخازية حول علاقاتها الاستثنائية والاستراتيجية مع روسيا الإتحادية. لكن وبغض النظر عن ذلك تتناول وسائل الإعلام الروسية في الآونة الأخيرة مسألة النفوذ التركي في أبخازيا. حيث يعتبر الكثيرون أن النفوذ التركي المزعوم يشكل خطرا كبيرا على المصالح الروسية في المنطقة. إلا أن المخاوف التي تروج لها بعض وسائل الإعلام الروسية المتعلقة بالنفوذ التركي في أبخازيا ليست إلا محاولات مدفوعة من قوى معروفة تستغل جهل الكثيرين لحقيقة الأمور على أرض الوقع في أبخازيا.
يربط مروجوا فكرة النفوذ التركي هذا الأمر بإمكانية عودة قسم كبير من المهجر الأبخازي إلى وطنه التاريخي والذي طرد أجداده منه في نهاية الحرب الروسية القوقازية في القرن التاسع عشر. حيث ينتشر القسم الأكبر من المهجر الأبخازي اليوم في تركيا ويقدر عدد أبناء الجالية الأبخازية في الدولة التركية مابين 400 ألف و 800 ألف نسمة جميعهم مسلمون.
وتواجه مسألة عودة المهجر الأبخازي إلى الوطن الأم عقبات كثيرة. فهناك مشاكل ومعضلات أساسية لم تجد حلولا لها وأهما حرية الحركة والقدوم إلى ابخازيا بالنسبة لأبناء المهجر، تأمين السكن وفرص العمل واستصدار التشريعات الخاصة للمساعدة على تسريع تأقلم العائدين الأبخاز مع ظروف الحياة الجديدة في الوطن الأم.
أبخازيا أصدرت قبل ثلاث سنوات قانون الجنسية الأبخازية الذي يتيح لكل من أصوله أبخازية أو أبازينية (أبازه) الحصول على الجنسية الأبخازية بغض النظر عن مكان إقامته. الحكومة الأبخازية أنشأت ايضا مؤسسة حكومية تعنى بأمور العودة وتأمين السكن والعمل للعائدين. إلا أن انجازات هذه المؤسسة اقتصرت حتى اليوم على بناء بناية سكنية وحيدة مؤلفة من خمسين شقة وزعت مؤخرا على العائدين الجدد ومعظمهم من تركيا.
أبخازيا تعاني اليوم من غياب الإمكانات اللازمة لتأمين شروط جيدة للراغبين في العودة من أبناء المهجر الأبخازي. إضافة إلى أن المهجر الأبخازي لم يبدي تجاوبا كافيا مع تطلعات أبخازيا لإعادة أكبر عدد ممكن من أبناء المهجر. فعدد العائدين لم يتجاوز 400 شخص على مدى خمسة عشر عاما.
غياب الإمكانات والرغبة هما مشكلتان أساسيتان أمام أبخازيا التي تعاني من أزمة ديمغرافية حادة تهدد مستقبل الجمهورية وكذلك مستقبل احتفاظ الأبخاز بما أنجزوه في السنوت الأخيرة.
ويرى بعض الأوساط السياسية في روسيا فائدة من تعقيدات عودة الأبخاز إلى وطنهم التاريخي. فالعائدون وخاصة من تركيا يشكلون حسب قناعاتهم خطرا كبيرا لإمكانية نقل هؤلاء العائدين للفكر الإسلامي المتطرف إلى أبخازيا وبالتالي منه إلى جمهوريات شمال القوقاز الأخرى. إلا أن هذه المخاوف تبدو غير جدية وبعيدة عن الواقع، فالمهجر الأبخازي وخاصة في تركيا أكثر بعدا من أطياف المجتمع التركي الأخرى عن التطرف والأصولية الدينية. كما أن تجربة العائدين في أبخازيا أثبتت علمانية هذا المجتمع وغياب التعصب الديني بين أبناء العائدين الأبخاز.
إضافة إلى كل ذلك يبدو المهجر الأبخازي في تركيا بمعظمه لايملك توجها معاديا لروسيا على عكس ماتروج له بعض وسائل الإعلام الروسية. كما أن المهجر الشركسي والأبخازي بعمومه مقتنع بأن التاريخ والجغرافيا فرضا أمرا واقعا وأن مسألة العلاقة مع روسيا رغم كل تعقيداتها أصبحت جزء لايتجزأ من مستقبل هذين الشعبين.
إبان الحرب الوطنية في أبخازيا (1992 – 1993) حارب مئات المتطوعين الأبخاز والأديغه من تركيا إلى جانب أبخازيا فيما كانت الحكومة التركية تدعم جورجيا وبشكل كبير ومفضوح في هذه الحرب.
السياسة التركية لايمكنها اليوم أيضا أن تكون داعمة لأبخازيا لأنها ببساطة هي سياسة موالية للولايات المتحدة الأمريكية.
تركيا تتطلع لنفوذ كبير ليس فقط في ابخازيا وإنما أيضا في كل جمهوريات شمال القوقاز، فاليوم الجالية القفقاسية في تركيا وحدها تقدر بسبعة ملايين إنسان. ولكن لانستطيع القول إن تركيا تمكنت من فرض نفوذها في شمال القفقاس ولاتملك فعليا اليوم أي تأثير على السياسة الداخلية والخارجية في أبخازيا تحديدا.
المهمة الرئيسية الملقاة على عاتق الجالية الأبخازية في تركيا في هذا الوقت هي المساعدة على الاعتراف من جانب أنقرة باستقلال جمهورية أبخازيا. . والجالية الأبخازية اليوم عليها أن تقنع الحكومة التركية بضرورة الاعتراف باستقلال ابخازيا وهي تملك اليوم أوراقا فاعلة لتحقيق هذا الهدف كالصوت الانتخابي والنفوذ الاقتصادي.
اليوم العلاقات الاقتصادية بين ابخازيا وتركيا تبدو شكلية وحسب. فكثير من المشاريع الاستثمارية في أبخازيا
والمنسوبة إلى تركيا أنجزت برأسمال الجالية الأبخازية في تركيا ولاعلاقة للحكومة التركية بها.
بدون شك أثار دخول رأس المال التركي إلى أبخازيا مخاوف لدى المواطنين متعلقة بإمكانيبة دخول مواطنين أتراك تحت اسم المهجر الأبخازي لتمرير مخططات أنقرة وحلفائها في أبخازيا، إلا أن السلطات الأبخازية وبتعامل مسؤول من قبل المهجر الأبخازي تمكنت منع دخول مثل هذه العناصر إلى ابخازيا.
تركيا التي لاترغب في توتير علاقاتها مع جورجيا لاتسعى إلى تحسين علاقاتها بأبخازيا خاصة على ضوء فشل أنقرة في فرض نفوذها على هذا الإقليم الساحر عبر الجالية الأبخازية التي تحمل الجنسية التركية. فالأخيرة تبدو حتى الآن مسؤولة تجاه تعاملها مع الوطن الأم ولم تغلب المصالح التركية على المصالح الوطنية الأبخازية مما تستحق عليه تقديرا كبيرا، ويساعد على تفنيد ادعاءات بعض القوى السياسية الطامعة للنفوذ في أبخازيا ماتروجه عن النفوذ التركي في أرض الروح.
نارت أستيمر |