logo
 

القفقاس وآسيا الصغرى في العصور الغابرة


آسيا الصغرى – شبه جزيرة يحيطها البحر الأسود وبحر إيجة والبحر الأبيض المتوسط من الشمال والغرب والجنوب على التوالي, ويحدها من الشرق سلسلة جبال بونتا وجبال تافرا وأنتي تافرا. هذا الموقع الجغرافي يطرح على الفور سؤالا عن علاقة المنطقة بالتافر في القرم والنارتيين (النات او الأنت) في القفقاس.

حسب اللغوين والمؤرخين فإنه في الألفين 9 و 8 قبل الميلاد حدث انقسام للمجتمعات السينو قوقازية اللغوية والتي كان مركزها آسيا الصغرى وجنوب القوقاز. الإنقسام هذا أدى إلى ظهور القسم الأول والمعروف ب (بروتو أباسكي) – أجداد شعب الباسك الحالي الموجود في إسبانيا. الباسك هاجروا إلى الغرب واستوطنوا في منطقة البرينيه. القسم الثاني هو مجموعة الحاثي خوريت اللغوية التي بقيت في آسيا الصغرى وانقسمت في الألف الرابعة قبل الميلاد إلى شعوب مستقلة منفصلة عن بعضها البعض. قسم من السينو قفقاسيين انتقلوا في الألف السابعة قبل الميلاد نحو الشرق واستوطنوا في الهند (بوروشاسيون – الناخاليون – كوسوندا), وقسم منهم تابعوا ترحالهم إلى الصين والتيبيت وسيبريا (أتاباسكي – كيتي – نافاخو).

في الألفين 7 و 8 قبل الميلاد كانت تتواجد في آسيا الصغرى مناطق سكانية من بيوت طينية, وسكان هذه المناطق كانوا يمارسون الصيد والزراعة. ابتداء من الألف 7 قبل الميلاد حتى أوائل الألف 6 قبل الميلاد كانت تعرف في آسيا الصغرى حضارة تشاتال خيويوكا, وهي إحدى أكثر الحضارات تطورا في الشرق القديم. قبائل هذه الحضارة أتقنوا الزراعة وخاصة في منطقة وادي قونيا, حيث تمكنوا من تنمية 14 نوعا من النباتات (أنواع مختلفة من القمح والشعير والحبوب والبقوليات وغيرها), كما أنهم كانوا من أوائل من بدأ بتربية النعاج والخرفان, إضافة إلى إتقانهم التعدين وتصنيع النحاس والرصاص, وكانوا يعبدون العجل ويقدسون الأم رمز العطاء.

في الألفين 4 و 5 قبل الميلاد بدأت تظهر مراحل متطورة من المجتمعات الزراعية الرعوية, تلك الحقبة يرافقها انتشار واسع للتعدين. بشكل عام يمكن القول بأن الظروف الطبيعة في منطقة آسيا الصغرى سمحت بوجود 10 حضارات مختلفة في آن واحد.

في الألف 3 قبل الميلاد حدث نمو للمراكز المحصنة والمدن. كما تطورت الصناعات اليدوية المختلفة وكذلك العلاقات التجارية. وبفضل تطور التعدين في تلك الحقبة بدأت تتطور الأسلحة كالسيوف والخناجر وظهرت الخوذة لأول مرة كجزء من اللباس العسكري.

يعد الحاثيون (حاتي) وأقاربهم من قبائل كاسكي (كاسك) اقدم سكان آسيا الصغرى وكانوا يعيشون في جبال البانتي جنوب البحر الأسود. الدراسة التحليلية للغة هذه الشعوب أظهرت القرابة مع اللغة الأديغه أبخازية في القفقاس. ويبدو واضحا تشابه تسمية شعب كاشكا مع التسمية التي كان يطلقها على الأديغه كل من الأرمن (غاشك) والجورجيون (كاشاك) والبيزنطينيون (كاساخ) والروس (كاسوغ).

حسب الوثائق التاريخية الأكادية اثناء حكم القيصر الأكادي سارغون (2316-2261 ق. م.) اشتكا تجار أكاد للقيصر على الحاثيين الذين أبعدوهم عن سوق عاصمتهم بوروسخاند. وتقريبا في عام 2200 ق. م. اشتبك جيش قيصر أكاد مع تحالف 17 قيصرا من بينهم قيصر الحاثيين المعروف باسم بامبا.

في اوائل الألف الثانية ق. م. ظهرت في الأناضول قبائل هند أوربية هي نيسيت – لوفي – بالاي. ومن غير المعروف منشأ هذه القبائل ومن أين أتت بشكل دقيق. فبعض المصادر تتحدث عن أنهم جاؤوا من البلقان وبعضها الآخر تقول إنهم جاؤوا من الجنوب الشرقي للقوقاز الجنوبي. بدأ الهندو أوربيون ينتشرون تدريجيا في الدولة الحاثية ليشكلوا بعد فترة من الزمن غالبية السكان واصبحوا القوة الرئيسية في الدولة. إلا أن الهندو أوربيين أخذوا لغة الحاثيين وثقافتهم وتقاليدهم ودينهم ولباسهم وفلسفتهم ونظامهم الاجتماعي والقضائي واسمائهم ليعرفوا لاحقا باسم الحيثيين. فالحثيين هم اندماج للحاثيين مع القبائل الهندو أوربية, او بالأصح هو انصهار للقبائل الهندو أوربية ضمن المجتمع الحاثي.

كان وجود الحاثيين والحثيين غير معروف لزمن طويل باستثناء بعض المعلومات المذكورة في التوارة, فقد كانوا يعتبرونهم شعبا من الشعوب السامية, لكن في العام 1887 تم العثور على آثار الحضارة الحثية التي لم تكن تقل درجة ومكانة عن حضارة الفراعنة في مصر. وفي عام 1915 تم كشف تفاصيل تاريخية كثيرة عن الحاثيين والحثيين ولغتهم.

في القرنين 20-18 ق. م. ظهرت بعض الدويلات حول مدن قديمة (مثل حاتوس – كوسار) وكانت تمثل اتحادا لقبائل. وبفضل قوافل التجار الأشوريين والأراميين شهدت هذه الدويلات تطورا, واغتنى قادتها وزعماؤها. كانت هذه المدن تخضع رسميا لسلطة القياصرة, ولكن المشاكل الداخلية كانت تحل من قبل مجلس للسكان الأحرار الذين يحق لهم حمل السلاح (بانكوس). في القرن 18 ق. م. جرت أول محاولة لتوحيد هذه المدن والدويلات حيث قام قيصر كوسار انيتا باحتلال مدينة نيسا, وفي وقت لاحق احتل مدينة حاتوسا ونقل قصره إليها. من ثم خضع حاكم بوروسخاند لقيصر كوسار وسلمه التاج الحديدي والمطرقة ليصبح أنيتا أول حاكم لمملكة حثي القديمة الأولى التي استمرت لغاية أواخر القرن 16 ق. م.

في القرن السادس عشر ق. م. بدات في المملكة الحيثية الصراعات القبلية التي كادت أن تؤدي إلى انهيار المملكة فقدت فيها الدولة الحثية مقاطعات كثيرة. في تلك الفترة بدأ يزداد نفوذ الكاسكي وكذلك قبائل أتسي خايسا التي قطعت في الفترة مابين 1420-1380 ق. م. الطرق إلى شواطئ البحر الأسود وجبال بونتا الغنية بالحديد ومن ثم احتلت وسط مملكة حاتوس. ولكن في القرن 14 ق. م. عادت مملكة حاتوس لتنهض من جديد في عهد القيصر سوبيل اوليومي الأول الذي اعتمد على سياسة القوة العسكرية وبدأ باستخدام العربات الخفيفة ذات العجلتين التي يجرها حصانان والقادرة على حمل 3 جنود. هذه العربات ساهمت بشكل كبير في تقوية الجيش الحثي. في تلك الفترة كان حكام مدينة أخرى هي ميتانيا الخوريتية (مدينة حاثية) من حاثية. لقد جلب االخورت إلى فارس وآسيا الصغرى فن تربية الخيول. تشير وثقية للقياصر الحثيين عثر عليها ومكتوبة من قبل ميتانيين إلى تمرينات ترويض الخيول. وفي حقبة المملكة الحثية الثانية الجديدة كان ظاهرا التأثير الخورتي الحاثي وكان غالبية حكام هذه المملكة من أصول خورتيه. قام القيصر سوبيل اوليومي الأول بحركة دبلوماسية موفقة حيث زوج ابنته من حاكم الكاسك بلاد أتسي خايسا الجبلية وحصل بموجب هذا الزواج على الحق بالوصول إلى مناجم الحديد الغنية.

سنتوقف بالتفصيل عند دور الحديد في تلك الحقبة. في الألف الثانية ق. م. كان الحاثيون ومن ثم الحثيون يحتكرون صناعة الحديد. بعد انهيار الدولة الحثية في القرنين 13-12 ق. م. تلاشى هذا الاحتكار ولكن في الألف الأولى ق. م. بقيت مناجم الحديد في الأناضول سرية إلا على قبيلة خاليب الحاثية الأصل. إن معظم الغزوات التي قامت بها القوى العظمى في الفترة مابين القرنين 807 ق. م. كانت للسيطرة على طرق الحديد ومصادرها, فالسيطرة على مصادر الحديد كانت تعني الحصول على أسلحة كثيرة مما يزيد في القوة العسكرية لجيوش الدول العظمى. لاحقا تم كشف سر استخراج الحديد الذي كان يعرفه الحاثيون وبدات عملية استخراجه وتصنيعه في سوريا ومن ثم في جنوب القوقاز وأوربا ومصر والصين وهكذا. في أوربا والشرق الأوسط تم تصنيع حديد اكثر قساوة وأشبه بالفولاذ.

استغل قيصر الحثيين سوبيلوليم ضعف النشاط السياسي الخارجي لمصر إبان حكم أخناتون فاحتل الساحل السوري ووصل إلى نهر الأردن وضم شرق ميتانيا. في عهد مرسيلي الثاني (1340-1305 ق. م.) وسع الحثيون تمددهم ووصلوا إلى بحر إيجة في الغرب. حاولت مصر في عهد رمسيس الثاني إعادة أراضيها في سوريا في معركة قاديش الشهيرة ولكنها هزمت أمام جيش الحثين الذي قاده نارين. نمو نفوذ الأشورين في الجنوب الشرقي دفع الحثيين والفراعنة إلى توقيع إتفاقية سلام في عام 1280 ق. م. تنص على أن تحصل مصر على فلسطين وجنوب فينيقيا, ويحصل الحثيون على سوريا وشمال فينيقيا. رمسيس الثاني وحاتشوليم الثالث تعهدا بمساعدة بعضهما البعض عسكريا واقتصاديا من الأعداء الداخليين والخارجيين ووثقوا المعاهدة بزواج ابنة قيصر الحثيين برمسيس الثاني.

في القرن 13 ق. م. دمرت اليونان مملكة طروادة, الأمر الذي استغله الحثيون لتوسيع حدودهم نحو الغرب بحجة دعم مملكة طروادة الحثية. ولكن في نهاية القرن 13 ظهر اتحاد قوي لقبائل هندو أوربية "شعوب بحر إيجه", هذا الاتحاد اقتحم آسيا الصغرى ودمر دولة الحثين في عام 1180 ق. م.

لغاية القرن 8 ق. م. بقيت موجودة بعض الدويلات الحثية الصغيرة كتابل وحاتي ولكنها كانوا تحت سلطة الأشوريين, وفي تلك الحقبة اختفت لغة وكتابة الحاثيين الحثيين.

انهيار الإمبراطورية الحثية في القرن 12 ق. م. استغلته قبائل الفريغي البلقانية التي بدأت تتحرك من الغرب إلى الشرق. كان الأكاديون يسمون هذه القبائل "موشخي". وصل هذه القبائل إلى مرتفعات أرمينيا الحالية واستوطنوا عند منابع الفرات ويعدون أجداد الشعب الأرمني. في نفس الفترة بدأت تسيطر على شواطئ البحر الأسود الجنوبية قبائل ابخازية عرفت لاحقا باسم "خاليب" أو "خالدي". في وقت لاحق ظهرت مكان حاثي دولة جديدة اسمها "فريغيا". في القرن 8 ق. م. تجتاح آسيا الوسطى قبائل رحل من الشمال الغربي للبلقان, وقبائل الكيمريين القوقازية من الشمال الشرقي. قام الكيمريون في طريقهم إلى الأناضول بإخضاع دولة أورارتو القوية حينها (مكان أرمينيا وجورجيا حاليا) وتابعوا زحفهم ليحتلوا في عام 675 ق. م. مملكة فريغيا التي حكموها 20 عاما قبل أن يصل السكيف إلى الأناضول ويطردوا الكيميريين.كان الكيميريون بطبيعتهم ونمط حياتهم وتقاليدهم قريبين من الأديغه أبخاز, كما أن مصادر كثيرة نقضت فرضية الأصول الإيرانية للغتهم وصنفتها من أسرة اللغات الأديغه أبخازية. وتختلف تسمية الكيمريين باختلاف المصادر التي ذكرتهم, باليونانية "كيمريوي", بالأشورية "غيميراي", بالفارسية "غيميري", بالأرمنية "غاميرا". وحسب الفلكلور الأوسيتيني فإن الغوميري كانوا جبابرة وعاشوا في أوسيتيا قبل أن يأتيها النارتيون.

الكيمريون يعتبرون أجداد إحدى القبائل الشركسية القديمة "جمكوي". لهذه القبيلة الشركسة تسميات عدة منها: تشامريغوي – كيمرغوي. ذكر إدموند سبنسر أن الجمكوي يلفظون تسمية قبيلتهم على النحو التالي "كيمركيا". أول ذكر للجمكوي في المصادر التاريخية يعود إلى أرشيف الكنيسة الروسية في القرن 17 م., الأرشيف التركي في القرن 15 م. المؤرخون العرب ذكروا شعب الكيماري إلى جانب الروس والخزر والسلفيان في القرن 8 م. ديونسي بيريغيت ذكر وجودهم في القرن 2 م. إلى جانب السيند والكيركيت.

تشير معطيات كثيرة إلى القرابة بين الكيمريين والأديغه ابخاز:

أولا: كان يعيش الكيمريون في الأراضي التاريخية للأديغه ابخاز في الشمال الغربي للقوقاز.

ثانيا: إنطلاقا من شمال غرب القوقاز شن الكيمريون هجماتهم على القوقاز الجنوبي وآىسيا الصغرى.

ثالثا: أثناء غزواتهم كانوا يمرون بأراضي قبائل اديغه ابخازية وقبائل بلاد الكاسك بدون أية مشاكل.

رابعا: تحديدا في بلاد الكاسك أسسوا دولتهم "غامير".

القرابة التي تربط الأديغة ابخاز بالكيمريين والفراكيين والحاثيين والكاسك تشير إلى الوجود الشركسي القديم على طول سواحل البحر الأسود من شمال القفقاز مرورا بكولخيديا حتى تركيا الحالية, وكانت هذه القبائل تمثل وحدة عرقية تركت أثرها على الحضارة الإنسانية وتحتاج إلى مزيد من الدراسة والبحث.

تأليف: أناتولي سافويسكي (دكتور في العلوم التاريخية – مرشح لأكاديمية العلوم الروسية)

ترجمة : زاور شوج

Main Page

Print